
عبد الرحمن ابو رندة بنسلفانيا
في السياسة، كثيراً ما تتأخر الحقيقة، لكنها حين تصل تكون مدوية، قاسية، ولا تترك مجالاً للمراوغة. وهذا ما حدث تماماً مع قضية توقيف المواطنة الأمريكية من أصول إيرانية شميم مافي في الولايات المتحدة، على خلفية اتهامات تتعلق بشبكات توريد تقنيات ومكونات حساسة ارتبطت بمسارات انتهى بعضها في السودان. فالقضية، في ظاهرها، جنائية وقانونية، لكنها في جوهرها السياسي أعمق بكثير من مجرد مخالفة للعقوبات أو خرق للوائح التصدير.
إن ما كشفه هذا الملف هو أن السودان لم يخرج بعد من قبضة الشبكات القديمة، وأن المؤسسة العسكرية التي ظلت تقدم نفسها للعالم باعتبارها “مؤسسة قومية مستقلة”، ما تزال في حقيقتها الحارس الأكثر صلابة للمشروع الذي أسسته الحركة الإسلامية خلال عقود التمكين.
لسنوات طويلة، سعى الخطاب الرسمي إلى إقناع الداخل والخارج بأن العلاقة بين الجيش والحركة الإسلامية قد انتهت، وأن المؤسسة العسكرية استعادت استقلالها المهني. غير أن كل أزمة كبرى كانت تعيد ذات الحقيقة إلى السطح: الأسماء نفسها، التحالفات نفسها، المسارات نفسها، والعقلية نفسها.
فحين يظهر ملف يرتبط بإيران، أو بشبكات التفاف على العقوبات، أو بواجهات مالية وتجارية معقدة، فإن الأمر لا يمكن فصله عن الإرث السياسي الذي حكم السودان لثلاثة عقود. فالعلاقة بين الإسلاميين السودانيين والمحور الإيراني لم تكن سراً في يوم من الأيام، بل كانت جزءاً من معادلة إقليمية واضحة، اتخذت من السودان منصة ومعبراً ومخزناً ومجال نفوذ.
الجيش السوداني، خلال سنوات حكم الحركة الإسلامية، لم يبقَ مؤسسة عسكرية مهنية خالصة، بل جرى تطويعه تدريجياً ليصبح جزءاً من مشروع سياسي. الترقيات خضعت للولاء، ومفاصل القرار أُعيد تشكيلها، وأجهزة الأمن والاستخبارات نُسجت على مقاس التنظيم. وهكذا، لم تعد البندقية ملكاً للدولة، بل صارت درعاً لحزب، ثم إرثاً لشبكة مصالح واسعة.
ولهذا، فإن من يزعم اليوم أن الجيش منفصل عن الحركة الإسلامية، يواجه سؤالاً بسيطاً: لماذا تتكرر ذات الروابط كلما انكشف ملف خارجي؟ ولماذا لا تزال ظلال المشروع القديم تظهر في كل محطة حساسة؟
إن توقيف شميم مافي ليس مجرد خبر عابر في سجلات المحاكم الأمريكية، بل هو نافذة أطل منها العالم على حقيقة البنية القائمة في السودان. لقد أكدت القضية أن ما تبدل هو الوجوه والخطاب، أما الجوهر فما زال ثابتاً. وأن المؤسسة العسكرية، رغم كل محاولات التجميل، ما تزال الواجهة الأكثر تماسكا للحركة الإسلامية.
المفارقة المؤلمة أن المواطن السوداني هو من يدفع الثمن وحده. فبينما تنشغل النخب بحروب السلطة، وتتشابك المصالح الإقليمية، وتتوارى الحقائق خلف البيانات الرسمية، يعيش الشعب انهيار الاقتصاد، واتساع النزوح، وتآكل مؤسسات الدولة.
السودان اليوم لا يحتاج إلى تغيير شعارات، بل إلى تفكيك البنية التي اختطفت الدولة لعقود. يحتاج إلى جيش وطني لا جيش تنظيم، وإلى مؤسسات تحمي الشعب لا شبكات النفوذ، وإلى مستقبل لا تحكمه ذاكرة التمكين.
لقد قال هذا الملف ما حاول كثيرون إنكاره: إن الجيش، بصورته الحالية، ليس نقيض الحركة الإسلامية، بل امتدادها الأكثر قوة وانضباطاً. وأن الدولة التي تلبس ثوب المؤسسة، بينما يسكنها التنظيم، تبقى دولة معلقة بين الانهيار والوهم.




