
عماد جدو
لم يكن قرار الحكومة المصرية الأخير بإغلاق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً مجرد إجراء لتوفير الطاقة أو خطة ترشيد عابرة، بل جاء كصافرة إنذار دوت في شوارع القاهرة، معلنةً عن عمق الأزمة الهيكلية التي تضرب الاقتصاد المصري. هذا الهدوء القسري الذي يلف المدن التي لا تنام يفتح الباب على تساؤلات مشروعة حول جذور الأزمة، وعلاقتها بالحروب المحيطة، ونهاية حقبة الابتزاز السياسي التي ميزت علاقة القاهرة ببعض عواصم الجوار.
السودان.. من فرصة للموارد إلى كابوس استراتيجي
عندما اندلعت الحرب في السودان قبل ثلاثة أعوام، سادت في بعض الأوساط المصرية نبرة انتهازية رأت في تمزق الجار الجنوبي فرصة لاستقطاب الموارد أو تأمين احتياجات غذائية بأسعار بخسة تحت غطاء المساعدات أو التجارة غير المتكافئة. لكن الواقع كان مغايراً؛ فالحرب السودانية لم تكن مغنماً، بل كانت الإنذار الحقيقي الذي تجاهله النظام المصري.
إن الاتهامات التي تتردد حول محاولات استغلال الموارد السودانية في ظل غياب الدولة هناك، وضعت العقلية الجمعية المصرية أمام اختبار أخلاقي وسياسي. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل يستمر استنزاف الضحية؟ التاريخ يقول إن الشعوب لا تظل ضحية للأبد، والضغط الاقتصادي الحالي في مصر قد يكون عدالة جغرافية تعيد التذكير بأن استقرار الجار من استقرار الدار، وأن الرهان على غنائم الحرب هو رهان خاسر.
تاريخياً، اعتمد النظام المصري في حقب متتالية على سياسة المقايضة بالأمن مع دول الخليج، خاصة إبان التوترات مع إيران. حاول النظام ممارسة نوع من الابتزاز السياسي للحصول على تدفقات مالية مقابل دور عسكري أو سياسي.
إلا أن الرد الخليجي جاء هادئاً وحاسماً هذه المرة؛ حيث بدأ الاستغناء التدريجي عن العمالة المصرية في عدة دول، وتحولت المساعدات المباشرة إلى استحواذات على أصول الدولة. هذا الانقطاع في الدخل الذي كان يوفره المصريون في الخارج (الخليج، العراق، وحتى السودان سابقاً) تسبب في فجوة دولارية لم تعد الشعارات القومية قادرة على ردمها.
سقوط نشوة التعالي وصدمة الواقع
لسنوات، مارست بعض الآلة الإعلامية المصرية نوعاً من التبسيط المخل للأزمة، وروجت لخطاب الاستعلاء والترويج لـ “الجمهورية الجديدة” بينما كانت المؤشرات تشير إلى الهاوية. الأسوأ من ذلك، كان تفشي ظاهرة التنمر والتهكم على اللاجئين والمقيمين من (السوريين، السودانيين، واليمنيين)، وحتى التلاسن مع الجيران الخليجيين.
اليوم، استيقظ الشارع المصري على واقع مرير؛ فالنشوة التي غيبت الوعي الشعبي لسنوات تبخرت مع انقطاع الكهرباء وإغلاق المحال. أدرك القاصي والداني أن الدعاية الإعلامية لا تطعم جائعاً، وأن الاستخفاف بمعاناة الشعوب المجاورة ارتد أزمةً طاحنة في قلب القاهرة.
هل ينجو النظام من الضائقة؟
يقف الرئيس السيسي الآن أمام معضلة حقيقية؛ فالقروض لم تعد متاحة كما السابق، والغطاء الإقليمي بات مشروطاً بتنازلات اقتصادية وسيادية مؤلمة. العبور من هذه الضائقة يتطلب أكثر من مجرد اغلاق محال، بل يتطلب:
مصالحة حقيقية مع الجوار قائمة على الندّية لا الاستغلال.
إصلاح هيكلي ينهي توغل المؤسسات غير المدنية في الاقتصاد.
التوقف عن خطاب المظلومية. والبدء في إنتاج حلول حقيقية بعيداً عن جيوب المغتربين أو موارد الجيران المنكوبين.
إن إغلاق المحال عند التاسعة ليس مجرد توفير للكهرباء، بل هو تعبير عن ضيق الخيارات. فهل يتعلم النظام المصري أن الجغرافيا لا تُخون، وأن كرامة الجار (السوداني والخليجي) هي الضمان الوحيد لكرامة الداخل؟ الأيام القادمة ستحمل الجواب، فيما إذا كانت مصر ستخرج من هذه الشرنقة، أم أن “الضحية” هذه المرة ستكون الاقتصاد المصري نفسه.




