
سامر مكين
يمثل القرار الشجاع الذي اتخذه الفريق أول محمد حمدان ، رئيس المجلس الرئاسي، بتشكيل “المجلس العدلي المؤقت”، لحظة فارقة في مسار التغيير الجذري والثورة السودانية الساعية لاستعادة الدولة من براثن الاختطاف التاريخي. هذا القرار ليس مجرد إجراء إداري لملء فراغ مؤسسي، بل هو إعلان سياسي وأخلاقي ببدء مرحلة التأسيس الحقيقي لسلطة قضائية مستقلة، تكون ركيزة أساسية لبناء دولة المواطنة والعدالة التي حلم بها السودانيون طويلاً.
فالقضاء ركيزة للاستقرار ولا يمكن الحديث عن استقرار سياسي أو تنمية اقتصادية في أي بلد دون وجود نظام قضائي مستقل ونزيه. فالسلطة القضائية هي الضامن الوحيد لحقوق الأفراد وحماية الحريات، وهي الميزان الذي يمنع تغول السلطة التنفيذية. في السودان، فقد ظل القضاء لسنوات طويلة تحت وطأة التدخلات السياسية، مما أدى إلى فقدان الثقة في مؤسسات الدولة، وهو ما يسعى القرار الأخير لتصحيحه عبر إرساء قواعد جديدة لاختيار قيادات العمل العدلي بعيداً عن الولاءات الحزبية أو الأيديولوجية. لقد عانى السودان ارث وترِكة مثقلة منذ استقلاله في عام 1956 من هيكلية مشوهة للدولة، حيث احتكرت نخب المركز مفاصل القرار والثروة، وهمّشت الأقاليم والأطراف. هذه النخب لم تكتفِ بالسيطرة السياسية، بل عمدت إلى تسييس القضاء وتحويله إلى أداة لشرعنة المظالم التاريخية وحماية الفساد. في ظل غياب العدل في توزيع السلطة والثروة، وغياب المحاسبة على الجرائم المرتكبة بحق الشعوب السودانية في الهوامش، كان هو الوقود الحقيقي لكل الصراعات والحروب التي مزقت نسيجنا الوطني ، فالعلاقة بين العدالة واستقرار الدولة علاقة عضوية؛ فالمظالم التاريخية التي لم تجد طريقاً للحل عبر منصات القضاء المستقل، تحولت إلى نزاعات مسلحة. لقد أدى غياب “العدل” كقيمة عليا إلى اختلال موازين قسمة الثروة والسلطة، حيث تم نهب موارد الأقاليم لصالح فئة محدودة في المركز، تحت حماية قوانين ومؤسسات عدلية كانت تعمل كأذرع للنظام الحاكم. لذا، فإن إصلاح القضاء اليوم هو المدخل الإلزامي لتحقيق قسمة عادلة ومتوازنة تنهي دوامة العنف.
تأتي هذه الخطوة في وقت حساس، حيث يواجه السودان تحدي التخلص من هيمنة “جيش جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية” الذي اتخذ من مؤسسات الدولة درعاً لمصالحه الضيقة. تحرير السلطة القضائية من قبضة هذه الجماعة التي عاثت في الأرض فساداً وظلماً هو الخطوة الأولى نحو تفكيك دولة التمكين وبناء دولة القانون.
تشكيل المجلس العدلي بمهامه المتمثلة في ترشيح رئيس القضاء والنائب العام وأعضاء المحكمة الدستورية، يضع اللبنة الأولى في جدار الحماية ضد أي محاولات مستقبلية لإعادة إنتاج الاستبداد. إنه التزام صريح أمام الشعب السوداني بأن عهد الإفلات من العقاب قد انتهى، وأن مسيرة بناء “السودان الجديد” القائم على المساواة والعدل قد انطلقت ولا تراجع عنها.
قرار الفريق أول محمد حمدان دقلو هو استجابة لتطلعات الملايين الذين ضحوا من أجل الحرية والسلام، والعدالة. إنها دعوة لكل المخلصين من أبناء الوطن للالتفاف حول مشروع الإصلاح العدلي، لأن القضاء المستقل هو الحصن المنيع الذي سيحمي مكتسبات الشعب، ويضمن عدم عودة نخب المركز ودولة 56 لتسيد المشهد عبر الظلم والتهميش مرة أخرى




