رأي

حين تُسرق الطفولة باسم الدين: أوقفوا جريمة تجنيد الأبرياء

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

 «من يزرع الخوف في قلب طفل، يهدم أمةً بأكملها.»

عادت الأصوات الجهادية من ظلال التاريخ، ترفع راياتها وتستدعي خطاباً ظنّ الناس أنه اندثر. تلك الأصوات التي تتزيّا بثوب الدين لتبرّر أبشع الجرائم — تجنيد الأطفال. ما يحدث اليوم في بعض مناطق السودان ليس عملاً دعوياً ولا موقفاً سياسياً، بل جريمة مكتملة الأركان ضد الإنسانية.

الأطفال يُقتادون من مقاعد الدراسة إلى ميادين الحرب، ومن دفاتر الرسم إلى ساحات الدماء، باسم الجهاد وبشعارات الخلاص. وأي خلاصٍ هذا حين يُسلب من الطفل حقه في الحياة قبل أن يتعلم معنى الوطن؟ط

الحركة الإسلامية، التي كانت يوماً تُسوّق نفسها كتيار إصلاحي، انكشفت الآن بوصفها تنظيماً إرهابياً يتغذّى على الأزمات، ويقتات من الفوضى، ويصنع جيلاً مكسور الوعي. هي لا تبحث عن نصرة الدين، بل عن إعادة تدوير سلطتها القديمة على أنقاض البراءة. فكل طفل يُغسل دماغه اليوم هو مشروعُ ضحيةٍ جديدة لمعارك لا تخصه.

إن استخدام الدين لتبرير العنف هو خيانة لجوهر الإيمان ذاته. فالله لم يأمر أحداً بأن يزجّ بالأطفال في جحيم الحرب، ولم يشرّع دماً يُسفك بغير حق. والسكوت عن هذه الجرائم تواطؤٌ يُدين الأسرة والمجتمع على حدٍّ سواء. إن مسؤولية حماية الأطفال لا تقع على جهة واحدة، بل على كل بيت ومدرسة ومسجد ومؤسسة إعلامية.

وعلى الآباء والأمهات أن يدركوا أن أطفالهم ليسوا ملكاً لأحد، ولا أدوات لأية جماعة. لا تتركوا أبناءكم في أيدي تجار الدين الذين يحولون الطفولة إلى وقود لمعركة عبثية. اسحبوا أبناءكم قبل أن يضيعوا بين أوهام الشهادة وزيف البطولة.

يجب على الحكومة، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الدولية التحرك العاجل لتجريم وملاحقة كل من يشارك في تجنيد الأطفال أو يبرّره أو يسهّل له. فالقانون لا يُفرق بين من يحمل السلاح ومن يدفع طفلاً لحمله. كما يجب فرض رقابة صارمة على المنابر الإعلامية التي تروّج لهذه الثقافة، خصوصاً تلك التي تتاجر بصور الأطفال وتستخدمهم لتمرير أجندات سياسية خفية.

وفي المقابل، فإن النصر الحقيقي اليوم ليس في السيطرة على مدينة أو موقع عسكري، بل في إنقاذ جيلٍ كامل من أن يُختطف وعيه. يجب إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير برامج دعم نفسي وتعليمي تُعيد بناء ما دمّرته دعايات الكراهية. فكل طفل يُنقذ من براثن العنف هو رصاصة أُطلقت لصالح مستقبلٍ أكثر أمناً وعدلاً.

إن السودان الجديد الذي تحلم به جحافل قوات تأسيس قوات التحرر الوطني لن يُبنى بالسلاح وحده، بل ببناء الإنسان الحر الواعي.

فلنحفظ أطفالنا… فهم البذرة التي إن ضاعت، ضاع الوطن كله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!