
محمد احمد قرقر
يشهد السودان اليوم حالة خطيرة تهدد وحدة البلاد واستقرارها السياسي والاجتماعي، حيث تعكس الأحداث الأخيرة ازدواجية واضحة في مواقف القيادة الحالية. فبينما يظهر القادة بمظهر ملتزم بالحكم المدني والدستور، تظهر تحركاتهم في الواقع سعيًا للبقاء في السلطة بأي ثمن، مستخدمين الجيش ضد مطالب الشعب المشروعة بحكم مدني ديمقراطي، وهو ما يشير إلى استهداف ممنهج لمستقبل الدولة ووحدتها الوطنية.
ولا يمكن تجاهل الدور الخارجي في هذه الأحداث، إذ تلعب بعض الدول المجاورة دورًا تاريخيًا في التدخل بالشؤون السودانية منذ الاستقلال، من خلال دعم الانقلابات العسكرية، وتمويل تجهيزاتها، والمساهمة في زعزعة الاقتصاد عبر سياسات مالية مشبوهة، وصناعة عملاء سياسيين وعسكريين لخدمة مصالحها، ما أدى إلى تآكل مؤسسات الدولة وإضعاف سيادتها. وقد اتضح في الفترة الأخيرة ارتباط السياسات الداخلية مباشرة بالمخططات الخارجية التي تهدف إلى ضمان بقاء بعض القيادات في السلطة، على حساب مصلحة الشعب ووحدة البلاد.
ويعتبر فض الاعتصام أمام القيادة العامة بعد الثورة السودانية نقطة مفصلية، حيث تم قمع الشباب الثائر العزل، وارتكبت جريمة منظمة مع سبق الإصرار والترصد، تم توثيقها بالفيديو والكاميرات وانتشرت على نطاق واسع بين المنظمات الحقوقية الدولية. هذه الجرائم تكشف عن غياب المساءلة واستعداد بعض القيادات للتضحية بمصالح الشعب ودماء أبنائه حفاظًا على مناصبهم، وهو ما يزيد من مخاطر الانفصال وتفكك الدولة.
وتسهم الزيارات والالتزامات الخارجية لبعض القادة في زيادة المخاطر، مثل تبني توجيهات خارجية تؤثر على القرار الوطني، ما يزيد من احتمالات تفكك السودان ويهدد استقراره السياسي والاقتصادي والاجتماعي. كما تعكس بعض السياسات الداخلية، مثل استبدال العلم والعملات، وصدور قوانين مثيرة للجدل، وتصريحات رسمية متكررة، غياب الوعي بالمسؤولية الوطنية وارتفاع مخاطر الانفصال.
ويُحذر من تكرار تجربة جنوب السودان في حال فشل هذه القيادات في الحفاظ على السلطة، إذ هناك من لا يهتم بوحدة البلاد أو أمنها، بل يسعى لحماية المجرمين المطلوبين للعدالة بسبب تورطهم في سفك الدماء في دارفور وغيرها من مناطق النزاع. الشعب السوداني لن يسمح باستمرار هذه السياسات، وسيحاسب المسؤولين أمام القضاء الدولي، إذ إن التاريخ والمجتمع لن يغفر من يساهمون في تقسيم البلاد أو المساس بسيادتها.
ويبقى وعي الشعب والمقاومة المدنية الضمانة الوحيدة لحماية السودان، والحفاظ على وحدة أراضيه وسيادته، ورفض أي مشاريع خارجية تهدف إلى السيطرة على القرار الوطني أو تكرار تجارب الانفصال الدموية. المستقبل الوطني يتطلب التمسك بالوحدة والعدالة وسيادة القانون، وضمان أن تظل مصلحة الشعب فوق كل اعتبارات أخرى.




