من قلب الأزمة إلى معمار الدولة… المجلس العدلي يفتح بوابة السودان نحو سيادة القانون
التنوير تقرير أبو عبدالله الراشدي

التنوير تقرير أبو عبدالله الراشدي
لحظة مفصلية… عندما تتحول العدالة إلى معركة وجود
في خضم واقع سوداني معقد تتقاطع فيه الأزمات السياسية والعسكرية، يبرز قرار تشكيل مجلس عدلي مؤقت بوصفه نقطة تحول تتجاوز الطابع الإداري إلى عمق السؤال الوجودي للدولة: هل يمكن إعادة بناء السودان من بوابة العدالة؟
لم يعد الحديث عن المؤسسات القانونية مجرد شأن تقني أو تنظيمي، بل أصبح جزءاً من معركة الدولة نفسها، حيث لم تعد السيطرة على الأرض وحدها كافية، بل باتت الشرعية القانونية والأخلاقية شرطاً أساسياً لأي مشروع حكم.
تأتي هذه الخطوة في وقت يعيش فيه السودان حالة من إعادة التشكل، حيث تتراجع أنماط الحكم التقليدية، وتظهر الحاجة إلى بناء نموذج جديد يقوم على سيادة القانون لا على توازنات القوة فقط. وهذا ما يمنح القرار ثقله الاستثنائي، باعتباره إعلاناً بأن معركة الدولة انتقلت من ساحات القتال إلى عمق المؤسسات.
فراغ العدالة… إرث ثقيل من التسييس والانهيار
لسنوات طويلة، ظل النظام العدلي في السودان يعاني من اختلالات هيكلية عميقة، تفاقمت بشكل غير مسبوق مع اندلاع الحرب، حيث تعطلت مؤسسات، وتوقفت إجراءات، وتراكمت القضايا، وانهارت ثقة المواطن في قدرة الدولة على تحقيق الإنصاف.
هذا الفراغ لم يكن مجرد نتيجة عرضية للأحداث، بل كان امتداداً لمسار طويل من تسييس العدالة، حيث تحولت بعض المؤسسات من أدوات للإنصاف إلى أدوات للصراع، وهو ما أضعف بنيتها وأفقدها استقلالها.
ومع غياب آليات المحاسبة، تمددت ظاهرة الإفلات من العقاب، ما ساهم في تعميق الأزمات، وتحويل العدالة من قيمة حاكمة إلى مطلب مؤجل. وهنا تحديداً، يصبح أي حديث عن إعادة بناء النظام العدلي بمثابة محاولة لإعادة تأسيس الدولة نفسها، لا مجرد إصلاح قطاعي محدود.
المجلس العدلي المؤقت… إعادة تعريف السلطة القانونية
في هذا السياق، يأتي تشكيل المجلس العدلي المؤقت بوصفه خطوة تسعى إلى إعادة تعريف السلطة القانونية داخل الدولة. فالصلاحيات الواسعة التي مُنحت له—من ترشيح رئيس القضاء ونوابه، إلى اختيار النائب العام وأعضاء المحكمة الدستورية—تعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة هندسة المنظومة العدلية من جذورها.
هذا التحول يعني عملياً نقل مركز القرار العدلي من هيمنة السلطة التنفيذية إلى إطار مؤسسي أكثر استقلالاً، وهو ما يشكل نقلة نوعية إذا ما تم تطبيقه فعلياً.
كما أن طبيعة المجلس كجسم انتقالي تمنحه مرونة في التعامل مع التحديات، لكنه في الوقت ذاته يضعه تحت اختبار صعب، يتمثل في قدرته على تحقيق نتائج ملموسة في وقت محدود، وسط بيئة معقدة.
إعادة بناء الثقة… العدالة كمدخل لاستعادة الدولة
الثقة هي العملة الأهم في أي نظام سياسي، وقد كانت من أكثر القيم تضرراً خلال السنوات الماضية. فالمواطن الذي يفقد ثقته في العدالة، يفقد ثقته في الدولة نفسها.
ومن هنا، فإن تشكيل المجلس العدلي لا يُعد فقط خطوة مؤسسية، بل محاولة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فحين يشعر المواطن أن هناك نظاماً قضائياً مستقلاً وقادراً على حمايته، فإن ذلك يعزز الانتماء، ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة.
غير أن بناء هذه الثقة لا يتم بالقرارات وحدها، بل يتطلب ممارسات يومية تعكس الالتزام الحقيقي بالقانون، وهو ما سيشكل التحدي الأكبر أمام المجلس.
العدالة والسلام… علاقة لا تقبل الفصل
في سياق السودان، لا يمكن فصل العدالة عن السلام. فالصراعات التي شهدها البلد لم تكن فقط نتيجة خلافات سياسية، بل كانت في جوهرها نتاجاً لغياب العدالة وتراكم المظالم.
ومن هنا، فإن أي مشروع للسلام لا يمكن أن ينجح دون وجود منظومة عدلية موثوقة، قادرة على معالجة هذه المظالم، وضمان عدم تكرارها.
تشكيل المجلس العدلي يمثل، في هذا الإطار، خطوة نحو خلق بيئة يمكن أن تدعم مسارات السلام، من خلال ترسيخ مبدأ المحاسبة، وتعزيز الشعور بالمساواة أمام القانون.
الواقع الميداني… مؤسسات تنهض رغم التحديات
على الأرض، بدأت ملامح التغيير تظهر داخل الأجهزة العدلية، حيث تم تفعيل عدد من المحاكم، وإعادة تنظيم النيابات، وتوزيع الكوادر بما يتناسب مع الاحتياجات.
كما تم التأكيد على استمرار العمل العدلي رغم الظروف الصعبة، وهو ما يعكس وجود إرادة مؤسسية تسعى إلى تجاوز التحديات، وإعادة تشغيل النظام القضائي.
هذه التحركات، رغم أنها قد تبدو محدودة، إلا أنها تمثل الأساس لأي إصلاح حقيقي، لأن العدالة لا تُبنى فقط بالقرارات الكبرى، بل بالتفاصيل اليومية التي تمس حياة المواطنين.
التحديات الكبرى… بين الطموح والواقع المعقد
رغم الأهمية الكبيرة للقرار، فإن الطريق أمام المجلس العدلي ليس سهلاً. فالتحديات التي تواجهه متعددة، تبدأ من نقص الموارد، وتمر بضعف البنية التحتية، ولا تنتهي عند التعقيدات السياسية.
كما أن تراكم القضايا، وتراجع الثقة في المؤسسات، يشكلان عبئاً إضافياً، يتطلب جهداً مضاعفاً لمعالجته.
إضافة إلى ذلك، فإن البيئة السياسية غير المستقرة قد تؤثر على استقلالية المجلس، وهو ما يضعه أمام اختبار حقيقي لقدراته.
نحو دولة القانون… هل ينجح الرهان؟
في النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل يستطيع هذا المجلس أن يكون نقطة تحول حقيقية في مسار الدولة السودانية؟
الإجابة تعتمد على عدة عوامل، أبرزها الإرادة السياسية، واستقلالية المؤسسات، ودعم المجتمع، وقدرة المجلس على تحقيق نتائج ملموسة في فترة زمنية معقولة.
فبناء دولة القانون ليس مشروعاً قصير الأمد، بل مسار طويل يتطلب التزاماً مستمراً، ورؤية واضحة، وإدارة فعالة.
العدالة كخيار أخير للدولة
السودان اليوم يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يمضي نحو إعادة بناء دولته على أسس العدالة وسيادة القانون، أو أن يبقى أسير دوامة الفوضى والانقسام.
تشكيل المجلس العدلي المؤقت لا يمثل نهاية الأزمة، لكنه يشكل بداية مسار جديد، قد يفتح الباب أمام إعادة تعريف الدولة، واستعادة ثقة المواطنين، وبناء مستقبل أكثر استقراراً.
إنها لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط للمؤسسات، بل لفكرة الدولة نفسها. فإما أن تنجح العدالة في أن تكون أساساً لهذا البناء، أو تضيع الفرصة مرة أخرى في زحام الأزمات.
وبين الأمل والحذر، يبقى الرهان قائماً على أن السودان، هذه المرة، قد اختار الطريق الأصعب… لكنه الطريق الصحيح.




