تقارير وتحقيقات

في قلب التحديات… نيالا تكتب درسًا في الصمود: 24 ألف تلميذ يعبرون إلى المستقبل عبر بوابة الامتحانات

التنوير تقرير الشبكة الإعلامية المدنية MCN

 

التنوير تقرير الشبكة الإعلامية المدنية MCN

في لحظةٍ تختلط فيها رمزية الحدث بعمق دلالاته الإنسانية، عادت قاعات الامتحانات في ولاية جنوب دارفور لتضجّ بالحياة، معلنةً انطلاق امتحانات مرحلتي الأساس والمتوسط وسط مشاركة تجاوزت (24) ألف تلميذ وتلميذة. لم يكن المشهد عادياً، بل جاء كرسالة صريحة بأن التعليم، رغم كل العواصف، لا يزال قادراً على الوقوف في وجه الانهيار، وأن إرادة البقاء أقوى من صوت الحرب.

هذا الحدث، الذي شهد حضوراً رسمياً لافتاً تقدمه حاكم إقليم دارفور الدكتور الهادي إدريس، ووزير التربية بحكومة السلام الأستاذ كوكو محمد جقدول، ورئيس الإدارة المدنية لولاية جنوب دارفور الأستاذ يوسف إدريس يوسف، شكّل علامة فارقة في مسار العملية التعليمية، ليس فقط في الولاية، بل في مجمل الإقليم الذي أنهكته الحرب.

التعليم ينتصر على واقع معقّد

انعقاد الامتحانات في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تمر به البلاد، حيث لا تزال تداعيات النزاع تلقي بظلالها الثقيلة على مختلف القطاعات. ومع ذلك، استطاعت المؤسسات التعليمية في جنوب دارفور، بدعم حكومي ومجتمعي، أن تصنع استثناءً إيجابياً يعيد الأمل إلى آلاف الأسر.

فبينما تعاني مناطق واسعة من تراجع الخدمات الأساسية، جاء جلوس هذا العدد الكبير من الطلاب ليؤكد أن التعليم لم يعد مجرد خدمة، بل أصبح معركة بقاء، ووسيلة للحفاظ على ما تبقى من تماسك المجتمع.

ويرى مراقبون أن هذا الإنجاز يحمل بُعداً رمزياً عميقاً، إذ يمثل انتصاراً معنوياً للمجتمع بأسره، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الحرب، مهما اشتدت، لا يمكن أن تسلب الأجيال حقها في التعلم.

حضور رسمي يعكس أولوية التعليم

الحضور الرسمي الذي شهدته انطلاقة الامتحانات لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل عكس بوضوح حجم الاهتمام الذي توليه القيادة لقطاع التعليم. فقد حرص الدكتور الهادي إدريس على الوقوف ميدانياً على سير العملية الامتحانية، في خطوة تؤكد أن التعليم بات في صدارة أولويات الحكومة.

ورافقه في الجولة عدد من القيادات السياسية والتربوية، ما أضفى على الحدث بعداً سياسياً وإدارياً مهماً، يعكس التزاماً حقيقياً بإعادة بناء القطاع التعليمي.

هذا الحضور حمل في طياته رسالة مزدوجة: الأولى للطلاب وأسرهم بأن الدولة تقف إلى جانبهم، والثانية للمجتمع الدولي بأن التعليم في دارفور لم يتوقف، بل يستعيد عافيته تدريجياً.

رسائل القيادة: التعليم خط أحمر

في كلمته خلال تدشين الامتحانات، أكد الدكتور الهادي إدريس أن عودة الطلاب إلى المدارس تمثل مؤشراً واضحاً على تعافي الأوضاع، مشدداً على أن التعليم كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت نحو تشكيل الحكومة

وذهب أبعد من ذلك حين وصف حرمان الطلاب من التعليم بأنه جريمة يعاقب عليها القانون الدولي، في إشارة إلى أهمية حماية هذا الحق الأساسي في ظل النزاعات.

وأضاف قائلاً: “نؤكد لأولياء الأمور أن التعليم أمر واقع، ولا أحد يستطيع أن يفرض علينا حرمان أبنائنا منه مهما كانت الظروف.”

هذه التصريحات تعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة الاعتبار للتعليم كحق غير قابل للتنازل، وكركيزة أساسية لبناء الدولة

خطط ما بعد الامتحانات… رؤية تتجاوز الأزمة

من جانبه، كشف وزير التربية الأستاذ كوكو محمد جقدول عن ترتيبات متكاملة لمرحلة ما بعد الامتحانات، تشمل العمل على تجهيز الجامعات في مناطق سيطرة الحكومة داخل أقاليم دارفور وكردفان وجبال النوبة.

كما أشار إلى وجود تواصل مع عدد من الدول، من بينها جنوب السودان وكينيا وأوغندا وإثيوبيا وتنزانيا، إلى جانب دول عربية وأوروبية، بهدف توفير فرص تعليمية إضافية للطلاب.

هذه الخطوات تعكس رؤية استراتيجية تتجاوز إدارة الأزمة، نحو بناء منظومة تعليمية مرنة قادرة على التكيف مع الظروف الاستثنائية، وتفتح آفاقاً أوسع أمام الطلاب.

وأضاف الوزير، في إشارة رمزية من أمام مدرسة السلطان تيراب: “هذا السلطان العظيم أحد رموز النضال، واليوم نقف في موقع يحمل إرثاً تاريخياً يعزز معنى الصمود.”

أرقام تتحدث: من 3 آلاف إلى 24 ألف

الأرقام التي كشفت عنها الإدارة المدنية تحمل دلالات مهمة على مسار التعافي التعليمي. فبعد أن كان عدد الطلاب لا يتجاوز 3 آلاف في عام 2024، ارتفع إلى 7300 في عام 2025، ليقفز هذا العام إلى أكثر من 24 ألف تلميذ وتلميذة.

هذا التطور الكبير لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة جهود متواصلة لتحسين البيئة التعليمية وفتح المدارس تدريجياً رغم التحديات.

وأوضح الأستاذ يوسف إدريس يوسف أن هذا الرقم يتجاوز حتى آخر إحصائية قبل الحرب، ما يعكس تحسناً نوعياً في ثقة المجتمع بالعملية التعليمية.

وقال: “بدأنا بثلاثة آلاف فقط، واليوم نشهد أكثر من 24 ألف تلميذ، وهذا دليل واضح على تعافي المسيرة التعليمية.”

التعليم كجسر للوحدة الوطنية

من أبرز ملامح هذا العام مشاركة طلاب من ولايات أخرى، في مشهد يعكس قدرة التعليم على تجاوز الحدود الجغرافية والانقسامات السياسية.

فجلوس طلاب قدموا من مناطق متأثرة بالنزاع إلى جانب نظرائهم في جنوب دارفور، يؤكد أن التعليم يمكن أن يلعب دوراً محورياً في تعزيز الوحدة الوطنية، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي.

كما يعكس هذا الواقع حجم الثقة في المؤسسات التعليمية بالولاية، وقدرتها على استيعاب أعداد إضافية رغم محدودية الإمكانيات.

جهود محلية… إرادة تصنع الفرق

على المستوى المحلي، لعبت الإدارات التنفيذية دوراً محورياً في إنجاح الامتحانات، من خلال توفير البيئة المناسبة وضمان سير العملية بشكل منظم.

وشهدت محلية كاس نموذجاً لذلك، حيث تم تدشين الامتحانات وسط ترتيبات دقيقة، شملت تأمين المراكز وتوفير الاحتياجات الأساسية للطلاب.

وأكد المسؤولون المحليون أن دعم التعليم سيظل أولوية، باعتباره الاستثمار الحقيقي في مستقبل المجتمع.

التعليم في زمن الحرب… معركة وعي

في ظل الأزمات المتلاحقة، لم يعد التعليم مجرد نشاط أكاديمي، بل تحول إلى أداة مقاومة حضارية، تحمي المجتمع من الانهيار الكامل.

فالمدارس لم تعد فقط أماكن للتعلم، بل أصبحت مساحات آمنة تعيد للأطفال شعور الاستقرار، وتمنحهم فرصة للحلم بمستقبل مختلف.

ويرى خبراء أن استمرار التعليم في مثل هذه الظروف يسهم في تقليل آثار النزاع، ويمنع انزلاق الأجيال الجديدة نحو العنف أو الضياع.

نحو امتحانات ثانوية مرتقبة

وفي سياق متصل، أشار الدكتور الهادي إدريس إلى أن امتحانات الشهادة الثانوية ستقام خلال الأشهر القليلة القادمة، في خطوة تعكس استمرار الجهود الحكومية لإعادة بناء السلم التعليمي بالكامل.

هذه الخطوة تمثل تحدياً جديداً، لكنها في الوقت ذاته تعزز الثقة في قدرة المؤسسات على إدارة العملية التعليمية رغم الظروف.

بين التحدي والأمل… مستقبل يُكتب الآن

ما حدث في نيالا لا يمكن اختزاله في كونه حدثاً تعليمياً عابراً، بل هو فعل مقاومة جماعية ضد الانهيار، ورسالة قوية بأن الشعوب التي تؤمن بالتعليم قادرة على النهوض مهما كانت التحديات.

فجلوس آلاف الطلاب في قاعات الامتحان، وسط هذه الظروف، ليس مجرد اختبار دراسي، بل هو إعلان صريح بأن المستقبل لا يزال ممكناً.

إن جنوب دارفور، رغم جراحها العميقة، اختارت أن تكتب فصلاً جديداً عنوانه الأمل، ومضمونه التعليم، ورسائله موجهة للعالم كله:

أن الحياة يمكن أن تنتصر… إذا وُجد من يؤمن بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!