تقارير وتحقيقات

تبادل الأسرى في السودان بين ضرورات الإنسانية وتعقيدات الحرب وأسئلة الثقة

التنوير تقرير عبد الرحمن ابو رندة 

 

 التنوير تقرير عبد الرحمن ابو رندة 

يشهد ملف الأسرى والمحتجزين في السودان تطورات متسارعة أعادت هذا الملف الإنساني المعقد إلى واجهة المشهد السياسي، بعد إعلان اللجنة الدولية للصليب الأحمر استعدادها للقيام بدور الوسيط المحايد في أي عمليات محتملة للإفراج عن المحتجزين، بالتزامن مع تحركات أممية ومواقف متباينة من أطراف النزاع والقوى الحقوقية والسياسية.

وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه الحرب مستمرة، الأمر الذي يثير تساؤلات عديدة حول فرص نجاح أي مبادرة لتبادل الأسرى، ومدى قدرة الأطراف المتحاربة على بناء الحد الأدنى من الثقة اللازمة لإنجاز مثل هذه الخطوات الإنسانية الحساسة.

الصليب الأحمر يعرض وساطته الإنسانية

أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر استعدادها للمشاركة كوسيط محايد في أي عملية إفراج عن محتجزين إذا طلبت منها الأطراف ذلك، مشيرة إلى استمرار اتصالاتها مع الأمم المتحدة بشأن المستجدات المتعلقة بملف الأسرى.

وأوضح المتحدث باسم بعثة اللجنة في السودان فريد الحميد أن المنظمة تتابع التصريحات العلنية المتعلقة بإمكانية تنفيذ عمليات إفراج، مؤكداً أن دور اللجنة يقتصر على الجوانب الإنسانية والفنية المرتبطة بالنقل الآمن والكريم للمفرج عنهم، مع التزامها الكامل بمبدأ السرية وعدم التدخل في التفاصيل السياسية أو العسكرية المتعلقة بالمفاوضات.

حدود الدور الإنساني وآليات التنفيذ

شدد الصليب الأحمر على أن اختيار الأشخاص المشمولين بأي عملية إفراج ليس من اختصاصه، وإنما يتم حصرياً بواسطة الأطراف المعنية بالنزاع.

كما أوضح أن اللجنة لا تتدخل في تقييم الوضع القانوني للمحتجزين أو مراجعة أسباب احتجازهم، وإنما تركز على توفير الضمانات الإنسانية اللازمة لإنجاز عمليات الإفراج وفق المعايير الدولية المعتمدة.

ويعكس هذا الموقف حرص المنظمة على المحافظة على حيادها التقليدي الذي مكّنها لعقود من لعب أدوار إنسانية معقدة في مناطق النزاعات حول العالم.

ترحيب رسمي بالمبادرة الأممية

في المقابل، رحبت سلطة بورتسودان بالمبادرة التي طرحها مبعوث الأمم المتحدة بيكا هافيستو بشأن تبادل الأسرى بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع.

وأكد وزير خارجية سلطة البرهان  محيي الدين سالم استعدادهم للتعاون مع الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر وفق القواعد الدولية المنظمة لمعاملة المحتجزين، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً إيجابياً يمكن البناء عليه إذا توافرت الإرادة السياسية اللازمة لدى جميع الأطراف.

ويرى متابعون أن نجاح أي مبادرة من هذا النوع يتطلب توافقاً عملياً حول إجراءات التنفيذ وآليات التحقق والرقابة الميدانية.

«تأسيس» يربط الملف بمسار سياسي شامل

من جانبه، رحب تحالف «تأسيس» بالمبادرة الأممية، معتبراً أنها تحمل أبعاداً إنسانية مهمة يمكن أن تسهم في تخفيف معاناة آلاف الأسر السودانية.

وقال المتحدث باسم التحالف أحمد تقد لسان إن موقف التحالف من الهدنة الإنسانية ظل ثابتاً منذ اندلاع الحرب، مؤكداً الاستعداد لدعم أي مبادرة تتيح وصول المساعدات الإنسانية وتهيئة الظروف المناسبة للحوار.

وأضاف أن أي اتفاق ينبغي ألا يقتصر على تبادل الأسرى فقط، بل يجب أن يشمل إطلاق سراح جميع المحتجزين على خلفية النزاع، إلى جانب توفير الضمانات اللازمة لعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، مع وجود طرف ثالث لمراقبة تنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها.

مطالب حقوقية لتوسيع نطاق الإفراجات

بدورها، رحبت مجموعة «محامو الطوارئ» بالموافقة الرسمية على المبادرة الأممية، معتبرة أنها تمثل فرصة مهمة لتخفيف المعاناة الإنسانية وفتح نافذة لبناء الثقة بين أطراف النزاع.

ودعت المجموعة إلى الإفراج عن جميع الأسرى العسكريين تحت إشراف الصليب الأحمر، مع توسيع المبادرة لتشمل المدنيين المحتجزين تعسفياً.

كما طالبت بالكشف عن مصير المفقودين والمخفيين قسراً، وتمكين المحتجزين من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، والسماح للمنظمات الإنسانية المستقلة بزيارة أماكن الاحتجاز والتحقق من أوضاع المحتجزين.

إشكالية التبادل أثناء استمرار العمليات العسكرية

وفي حديثها لصحيفة التنوير، طرحت الكاتبة والمحللة السياسية الأستاذة إيمان التجاني تساؤلات جوهرية حول إمكانية تنفيذ عمليات تبادل واسعة للأسرى في ظل استمرار الحرب.

وقالت إن عمليات تبادل الأسرى غالباً ما ترتبط بمراحل التهدئة أو ما بعد التوصل إلى اتفاقات وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أن استمرار العمليات العسكرية يجعل تنفيذ مثل هذه الترتيبات أكثر تعقيداً من الناحية العملية والأمنية.

وأضافت أن بعض المبادرات الإنسانية القائمة على حسن النية شهدتها الحرب الحالية بالفعل، حيث جرى إطلاق سراح أسرى في أكثر من مناسبة، إلا أن الوصول إلى عملية تبادل شاملة ومنظمة يظل رهيناً بتوفر ضمانات وآليات واضحة تحظى بقبول الطرفين.

أزمة الثقة وسجلات النزاعات السابقة

وأشارت التجاني إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه أي عملية تبادل يتمثل في أزمة الثقة المتراكمة بين الأطراف المتحاربة.

ولفتت إلى أن تجارب سابقة في السودان أثارت جدلاً واسعاً بشأن مصير الأسرى والمحتجزين، الأمر الذي يجعل بناء الثقة شرطاً أساسياً لنجاح أي مبادرة جديدة.

وترى أن غياب المعلومات الدقيقة والشفافة حول أعداد المحتجزين وأماكن وجودهم وهوياتهم يمثل عقبة إضافية أمام أي جهود تستهدف الوصول إلى اتفاق شامل ومستدام بشأن ملف الأسرى.

المدنيون المحتجزون والبعد الإنساني الغائب

وأكدت إيمان التجاني أن النقاش حول تبادل الأسرى لا ينبغي أن يقتصر على العسكريين فقط، بل يجب أن يشمل المدنيين الذين تم توقيفهم خلال الحرب تحت ذرائع متعددة.

وأضافت أن مئات الأسر السودانية لا تزال تجهل مصير أبنائها وأقاربها، الأمر الذي يجعل ملف المحتجزين والمفقودين أحد أكثر الملفات الإنسانية إلحاحاً في البلاد.

ويرى مراقبون أن نجاح أي مبادرة لتبادل الأسرى قد يشكل خطوة مهمة نحو تخفيف الاحتقان الإنساني وخلق مناخ أكثر ملاءمة للحوار، غير أن تحقيق ذلك يظل مرتبطاً بقدرة الأطراف المتصارعة على تجاوز حسابات الحرب والانفتاح على إجراءات بناء الثقة التي يمكن أن تمهد الطريق أمام تسوية سياسية أوسع تنهي معاناة السودانيين المستمرة منذ اندلاع النزاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!