رأي

الثورة.. من الاعتصام إلى مفترق الطرق 

دكتور خالد تارس 

 

دكتور خالد تارس 

في السادس من أبريل، لا تستدعى الذكرى كما تستدعى أحداث كشفت جوهر الصراع في السودان، صراعٌ بين الدولةٍ الحُرة التي تريدها الشعوبٌ والمنظومةٍ التي تريدها جماعةٌ أيديولوجية ان تبقى أبد الزمان. ذلك اليوم يمثل اقتحامًا (سياسيًا) اعاد تعريفٍ العلاقة بين الشعب والمؤسسات التي تم اختطافها لعقود من السنوات.!

لقد اختار الثوار القيادة العامة متلقى لحشد تارخي، لأ لكونها موقع عسكري مهم، ولكن لرمزيتها كقيادة جيش تم تحويلها إلى جهازٍ أيديولوجي يعمل لصالح التنظيم الاخواني لا الوطن. وفي هذا أيضا المكان يقع بيت الضيافة الذي يختبئ خلف جدرانه الدكتاتور البشير قائد انقلاب التاسع والعشرون من يوليو، وقد تجمع الثوار ليقولوا ان هذا المكان لن يحكم بالعقيدة (المسيسة) ولا بالشرعية الزائفة.!

أصبح أبريل في السياق السوداني جزء من بنية الوعي النضالي، وموسم تتكاثف فيه ذاكرة المقاومة الشعبية، الموسم الذي كشف أن الأزمة في السودان هي أزمة بنيوية في الدولة التي تم تركيبها على أسس الولاء لا الكفاءة، وعلى الطاعة لا (المواطنة)، وهي دولة غير قابله للإصلاح إلا بإعادة بنائها من جديدة على أسس المواطنة المتساوية.

اذكر وفي صبيحة السادس من أبريل، ذلك اليوم المشهود جاءني الحبيب طلب الختيم، وقد كان يتحدث عن لحظةٍ تتجاوز المظاهرات العاديه إلى يوم سيخلدة التاريخ، بعد كلامه ذهبنا إلى مكتب المحامي آدم النظيف بضاحية صالحه جنوب ام درمان، لنتخذ قرار التوجه إلى قلب الحدث في الخرطوم، والالتحام المباشر بمواكب الثوار، فالمواكب في تلك اللحظة ستعيد تشكيلنا من جديد قبل أن تعيد تشكيل السياسة، النضيف وطلب الاثنين من حزب الأمة القومي، لذلك وضعنا كل التلفونات الذكية في المكتب وركبنا العربة الخاصة بمولانا الضيف (سنتافي) إلى قبل الخرطوم مكان الاحتشاد. لكن الطريق إلى الخرطوم في تلك اللحظات كان اختبارًا لمفهوم الدولة التي تحكم بالقوة، وقبل نعبر إلى أُغلقت السلطات كل الكباري التي تربط ام درمان بالخرطوم العاصمة لكنهم تركوا كبري شمبات المؤدي الى الخرطوم بحري فاتحاً، وتبدو المعركة كأنها مواجهات ميدانية بين إرادة تريد تثبيت واقعٍ مأزوم بالقوة، وأخرى تسعى إلى كسر هذا الواقع بالدماء الغالية. المهم عَبرنا شمبات إلى الخرطوم بحري، وهناك أيضا تم إغلاق المعابر، كبري المك نمر والنيل الأزرق المؤديتان إلى الخرطوم، كان كبري كوبر هو المعبر الوحيد إلى الخرطوم، وذلك المكان، من أمام السجن القومي تحديداً اندلعت مواجهة شرسه بين الثوار وشرطة الاحتياطي المركزي، القوة التي انكشف أمرها مؤخرا كواحدة من أخطر أجهزة القمع التابعة للتنظيم الإسلاموي، وهنا تتضح أخطر إشكاليات الدولة التي يتم التداخل فيها بين المؤسسة العسكرية والتنظيم السياسي، لتصبح الدولة رهينةً لعقيدة سياسية لا حارسًا للمجتمع.!

وكلما اشتد القمع والاغلاق زادت إرادة الجماهير قوة. فالثوار في هذا المكان يملكون يقيناً يعبر الطرقات ولا يملكون سلاحًا، والتراجع لم يعد خيارًا حتى وصلوا ميدان القيادة العامة وسط عنف مفرط من كتائب التنظيم الإخوانية، وقد شكل الوصول مولد فضاءٍ سياسي جديد يلتقي فيه الناس خارج وصاية الدولة المختطفة، ليعيدوا تعريفها.!

لقد كان هتاف صايمين رمضان بدون كيزان تفكيك لخطاب أيديولوجي هيمن على المجال العام لعقود، حيث استطاع الثوار تحرير الدين من التسييس، وفصلوا بين الإيمان كقيمة والتنظيم كأداة سلطة. في تلك اللحظة بالتحديد سقط احتكار المعاني الذي يشكل أحد أهم أسلحة النظام (الأيديولوجي).!

وفي تلك اللحظة العظيمة تكمن المأساة، فلم تتحول بالكامل إلى مشروع دولة مدنية خرج لأجلها الملايين. سقط البشير، وبقيت دولة الإسلام السياسي، لم يحدث تفكيك جذري لبنيته النظام على الرغم من تشكيل آليات للتفكيك، بقيت الشبكات والعقليات والتحالفات تعمل في (الظل)، وتعيد إنتاج الأزمة بأشكالٍ جديدة أكثر انتقامية. وهنا يظهر العجز البنيوي للنخب التي فشلت في تحويل الزخم (الثوري) إلى برنامجٍ سياسي قادر على حماية المنجز واستكماله.!

إن استدعاء السادس من أبريل اليوم يجب أن يكون فعلًا نقديًا لا احتفاء بالمنجز، والثورة التي لم تُراجع نفسها تتحول إلى أسطورةٍ فارغة. فالسودان الذي يعيش تداعيات الإنقلاب على الانتقال وعودة الإخوان إلى السلطة عبر حرب الخامس عشر من أبريل، يحتاج إلى قراءةٍ تجربته، أين الخطأ ومن عطّل المسار وكيف يمكن استعادة (المبادرة).؟

ان الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها، هي أن الصراع السياسي لا زال محتدما، لم يُحسم بعد، وما حدث في 2019 كانت محاولة لتحطيم الحواجز الصفرية، لكنها ليست نهاية المعركة باي حال. فالدولة القديمة بكل تشوهاتها السياسية ما زالت تقاوم التغيير، وتعيد تموضعها. وفي المقابل هناك اتساع متزايدًا لبؤر المقاومة، لكنه توسع بحاجة إلى وعيٍ ورؤيةٍ أكثر وضوحًا. وفي النهاية يظل السادس من أبريل سؤالًا مفتوحًا عن معنى الثورة الظافرة، وعن حدودها، وقدرتها على التحول من لحظة احتجاج إلى مشروع حكم يعبر عن إرادة الشعوب المقهورة. السودانيون، الذين أثبتوا أنهم قادرون على إسقاط الطغيان المركزي، ما زالوا أمام تحدي كي يثبتوا أنهم قادرون على بناء دولةٍ راسخة غير قابله للاختطاف مرةً أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!