
آدم بركة دفع الله عطية
في كل مرة يُطرح فيها سؤال السلام في السودان، تتجه الأنظار إلى الترتيبات السياسية الكبرى. وقف الحرب، تقاسم السلطة، أو الاتفاقات بين النخب. لكن التجربة السودانية تُخبرنا بأن جذور الأزمة أعمق من ذلك بكثير. فالصراع في جوهره ليس فقط على من يحكم، بل على كيف يُحكم السودان، ومن يملك حق اتخاذ القرار في حياة الناس اليومية.
واحد من أبرز أسباب النزاعات التي لازمت السودان هو الإقصاء التاريخي للمجتمعات المحلية من السلطة والثروة، وحرمانها من إدارة شؤونها. هذا التهميش لم يكن مجرد خلل إداري، بل كان عاملاً رئيسياً في إشعال الحروب، خاصة في أطراف البلاد. لذلك، فإن أي حديث جاد عن السلام لا بد أن يبدأ من هنا: تمكين الناس في مستوى القاعدة .
الحكم المحلي، في جوهره، ليس مجرد مستوى إداري أدنى، بل هو فلسفة حكم تقوم على إشراك المواطنين في اتخاذ القرار، وإدارة مواردهم بأنفسهم. وهو، بهذا المعنى، أقرب تعبير عن الديمقراطية الحقيقية، حيث لا يظل المواطن متلقياً للقرارات، بل يصبح شريكاً في صناعتها.
تعرّف الأمم المتحدة الحكم المحلي بأنه وحدات تُنشأ بقانون، وتتمتع بصلاحيات إدارة الشأن المحلي، بما في ذلك الموارد، عبر مؤسسات تمثيلية. لكن المشكلة في السودان لم تكن في التعريف، بل في التطبيق.
فعلى امتداد التجارب الدستورية، ظل الحكم المحلي شكلياً في كثير من الأحيان. تم تقسيم وحدات الحكم المحلي وفق اعتبارات قبلية وإثنية تحت شعار “تجانس السكان”، انظر للمخليات القائمة الان كلها نشأت عبر قانونين للعام 1998 و2003م وهو ما عمّق الانقسامات بدل معالجتها. كما غابت المجالس التشريعية المنتخبة، أو تم تعيينها من المركز، ففقدت استقلاليتها، وتحولت إلى أدوات للسلطة لا ممثلين للمجتمع.
أما على مستوى الموارد، فالمفارقة كانت أوضح: تُنتج الثروة في الحكم المحلي، بينما تتركز عائداتها في المركز. في المقابل، تُترك للمحليات موارد ضعيفة، مما يدفعها لفرض رسوم وضرائب إضافية على المواطنين، في دورة تُفاقم الفقر وتُضعف التنمية، وتغذي الإحساس بالظلم.
حتى الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها الشرطة، ظلت مرتبطة بالمركز، ما أضعف قدرتها على الاستجابة السريعة للنزاعات المحلية، لانها متحكم فيها من المركز وأسهم في تفاقمها قبل أن تتحول إلى صراعات واسعة.
هذه الاختلالات ليست تفاصيل فنية، بل هي في صميم أزمة الدولة السودانية. ولذلك، فإن إصلاح الحكم المحلي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي مشروع وطني جديد، لا بنداً ثانوياً في الدساتير.
الإصلاح المطلوب واضح في خطوطه العريضة: إعادة هيكلة وحدات الحكم المحلي القائمة على أساس التنوع لا القبلية، إنشاء مجالس محلية منتخبة تعبر عن كل مكونات المجتمع، منحها نصيباً عادلاً من الموارد القومية، ووضع آليات شفافة لتوزيعها. كما ينبغي إعادة تعريف العلاقة بين المركز والاقاليم والحكم المحلي، بحيث تصبح شراكة حقيقية لا تبعية.
التجربة التي أعقبت اتفاقية السلام الشامل 2005 أظهرت أن ترك تنظيم الحكم المحلي للولايات دون إطار قومي واضح ادت إلى تشوهات خطيرة، أبرزها تكريس القبلية وإقصاء الأقليات وذلك لأن النظام السابق استخدمه لترضية الجماعات الموالية له . لذلك، فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى لامركزية، بل إلى لامركزية عادلة ومنظمة.
إن بناء السلام في السودان لن يتحقق عبر الاتفاقات السياسية وحدها، بل عبر إعادة تأسيس الدولة من القاعدة. والحكم المحلي، إذا أُحسن تصميمه وتطبيقه، يمكن أن يكون رأس الرمح في هذا التحول: نحو دولة تقوم على المشاركة، والعدالة، والمواطنة.
في النهاية، قد يكون الطريق إلى السلام أقصر مما نظن… لكنه يبدأ من حيث يعيش الناس، لا من حيث تجتمع النخب.
ادم بركة دفع الله عطية
ضابط اداري




