رأي

ابنوا الوطن… وحطموا دولة النخب الفاسدة والمستبدة

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

الدول تُبنى بالإرادة الجامعة لا بامتيازات النخب الفاسدة والمستبدة 

حين يفشل التاريخ في صناعة وطن… لماذا آن الأوان لدفن دولة النخبة وبناء دولة الشعب في السودان؟

ليست أزمة السودان في فقر موارده، ولا في عجز جغرافيته، ولا حتى في قلة الفرص التي أتاحها التاريخ، بل في الخلل العميق الذي صاحب نشأة الدولة نفسها. فمنذ لحظة الاستقلال، لم تتأسس الدولة على قاعدة جامعة تعكس هوية السودانيين، بل ورثت بنية نخبوية مغلقة، صاغها الاستعمار لخدمة المركز، فاستمرت بعده بذات الروح، وإن تبدلت الوجوه.

هكذا نشأت دولة بلا روح وطنية مكتملة، دولة لم تُعرّف نفسها على أساس المواطنة، بل على أساس الامتياز. وغابت المنظومة المفاهيمية التي تشكل جوهر أي دولة حديثة: هوية جامعة، مواطنة متساوية، حقوق مصونة، ومؤسسات مستقلة. ومع غياب هذه الأسس، تحولت الدولة إلى أداة للسيطرة، لا إطاراً للتعايش، وإلى وسيلة للهيمنة، لا مشروعاً للنهضة.

لم يكن الفشل الذي لازم السودان قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لهذا التشوه البنيوي. فالدولة التي لا تُبنى على عقد اجتماعي واضح، ولا تستند إلى دستور يُعبّر عن الجميع، تظل عرضة للاهتزاز عند أول اختبار. وهذا ما حدث مراراً، حيث تعثرت كل محاولات الاستقرار، وتكررت دورات الصراع، لأن الأساس نفسه لم يكن سليماً.

إن ما يُعرف بـ“دولة 56” لم تفشل فقط في تحقيق التنمية، بل أخفقت في تعريف نفسها كدولة مواطنين. عجزت عن إدارة التنوع، وفشلت في تحقيق العدالة الاجتماعية، وتراجعت عن بناء مؤسسات قادرة على أداء وظائفها الأساسية. فبدلاً من أن تكون الدولة ضامناً للحقوق، أصبحت في كثير من الأحيان مصدراً للتمييز، وبدلاً من أن تكون حارساً للقانون، تحولت إلى أداة في يد السلطة.

ومن هنا، لم يكن غريباً أن تتوالى الأزمات: حروب أهلية، احتجاجات متكررة، وانقسامات متزايدة. كلها أعراض لمرض واحد: غياب الدولة الوطنية الحقيقية. فحين تُحتكر السلطة، ويُقصى المجتمع، وتُدار البلاد بعقلية النخبة، فإن النتيجة الحتمية هي التآكل المستمر في شرعية الدولة وقدرتها على البقاء.

غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن السودان، رغم كل ذلك، يمتلك من المقومات ما يجعله قادراً على النهوض. تنوعه الثقافي، وموارده الطبيعية، وموقعه الاستراتيجي، كلها عناصر قوة، لكنها تظل معطلة ما لم تُدار في إطار دولة حديثة تقوم على المأسسة لا الشخصنة، وعلى القانون لا المزاج، وعلى المشاركة لا الاحتكار.

إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في إسقاط نموذج قديم فحسب، بل في القدرة على تصور بديل مختلف جذرياً. بديل يقوم على إعادة تعريف الدولة بوصفها تعبيراً عن الإرادة الجماعية، لا امتداداً لسلطة النخب. وهذا يتطلب أولاً إعادة بناء العقد الاجتماعي، بحيث تكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، لا الانتماءات الضيقة.

كما يتطلب بناء مؤسسات قومية مستقلة، قادرة على أداء وظائفها بكفاءة، بعيداً عن التسييس والولاءات الضيقة. فالدولة القوية لا تُقاس بسطوة أجهزتها، بل بقدرتها على إدارة التنوع، وتحقيق العدالة، وتوفير الخدمات، وصون السيادة.

ولا يقل عن ذلك أهمية، صياغة دستور يُعبّر عن الجميع، ويضع قواعد واضحة للحكم، ويضمن التداول السلمي للسلطة. فبدون دستور متوافق عليه، تظل كل التسويات مؤقتة، وكل الاستقرارات هشة، وكل الإنجازات عرضة للانهيار.

إن الإصرار على إعادة إنتاج ذات النموذج القديم، تحت أي مسمى، لن يؤدي إلا إلى استمرار الأزمة. فالدولة التي قامت على احتكار القرار، لا يمكن أن تُنتج استقراراً، والدولة التي تجاهلت شعبها، لا يمكن أن تحظى بولائه.

لذلك، فإن لحظة التحول الحقيقية تبدأ حين يُدرك السودانيون أن بناء الدولة ليس مشروع نخبة، بل مسؤولية وطن. وأن الخروج من هذا التيه لا يمر عبر إعادة توزيع السلطة داخل نفس الدائرة الضيقة، بل عبر كسرها تماماً، وفتح المجال أمام الجميع للمشاركة في صياغة المستقبل.

إنها دعوة لإعادة التأسيس، لا للترميم. دعوة لبناء دولة تستمد شرعيتها من شعبها، لا من تاريخها. دولة تُدار بالعقل، لا بالغلبة، وبالقانون، لا بالقوة. دولة وطن… لا دولة نخبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!