
د. مجدي شريف
لم تكن المعارك التي دارت في منطقة التُكمة شرق مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان مجرد جولة عسكرية عابرة في سياق الحرب السودانية المعقّدة، بل مثّلت لحظة كاشفة لمسار طويل من تداخل الأيديولوجيا بالعسكرة، وانتهت بسقوط أحد أبرز الوجوه المرتبطة بما يُعرف بكتيبة “البراء بن مالك”، وهي جماعة ظلّت تمارس أدواراً تتجاوز نطاق القتال المحلي إلى شبكات أوسع ذات امتدادات إقليمية ودولية.
مقتل القيادي عارف أحمد عديل، المعروف بـ“الشيخ أبو تامر”، في هذه المعارك، لا يمكن قراءته كحادث ميداني منفصل، بل كنقطة نهاية منطقية لمسار قائم على العنف العابر للحدود، والتوظيف السياسي للدين، والانخراط في حروب ذات طبيعة أيديولوجية منذ عقود. فالرجل، بحسب المعطيات المتوفرة، لم يكن مجرد مقاتل ميداني، بل أحد العناصر التي راكمت خبرات قتالية في بيئات نزاع مختلفة، بدءاً من جنوب السودان، مروراً بتجارب خارجية يُشار إلى أنها شملت أفغانستان، وصولاً إلى انخراطه في الحرب السودانية الراهنة.
تكشف هذه السيرة المعطونة في الدم عن نمط متكرر في بنية هذه الجماعات، حيث يتم إنتاج كوادر عسكرية ذات خلفية عقائدية، تُعاد تدويرها من ساحة صراع إلى أخرى، بما يعكس وجود بنية تنظيمية تتجاوز الإطار الوطني. الأخطر من ذلك، ما أشارت إليه بعض المصادر حول تلقي عديل تدريبات متقدمة، بما في ذلك تشغيل الطائرات المسيّرة، وتلقي جزء من هذه التدريبات مع الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول طبيعة العلاقات العابرة للحدود التي تربط هذه الكيانات، ومدى ارتباطها بشبكات دعم إقليمية.
في السياق نفسه، فإن مقتل عارف عبدالله، وهو من القيادات الميدانية البارزة ضمن متحرك “مسك الختام”، يعكس حجم الخسارة النوعية التي مُنيت بها هذه الكتائب الارهابية في معارك التُكمة. وان سقوط هذه القيادات دفعة واحدة يشير إلى ضربة مركزة للبنية القيادية الميدانية، ستترك أثرا مباشرا على تماسك هذه الجماعات في المدى القريب.
غير أن البعد الأكثر خطورة في هذه التطورات لا يكمن فقط في الخسائر العسكرية، بل في ما تكشفه من عمق تغلغل هذه الجماعات داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. فقيام مدير جامعة سنار بنعي أحد هؤلاء القادة، الذي شغل سابقاً موقعاً في حرس الجامعة، يطرح تساؤلات مقلقة حول كيفية تمكّن عناصر ذات سجل قتالي وإجرامي عابر للحدود من التمركز داخل مؤسسات تعليمية رسمية. هذه الواقعة لا يمكن التعامل معها بوصفها حالة فردية، بل كمؤشر على اختراق مؤسسي يعكس ضعف الرقابة، ويؤكد دور الحواضن الفكرية أو السياسية في تمكين هذه العناصر الاجرامية في هكذا مواقع.
إن قراءة هذه الأحداث بمعزل عن السياق الأوسع للحرب في السودان ستكون قراءة قاصرة. فهذه الجماعات لعبت، ولا تزال، دوراً محورياً في تأجيج الصراع، من خلال الدفع بمقاتلين ذوي خلفيات اجرامية وأيديولوجية متشددة ، ما يسهم في تعقيد فرص التسوية السياسية، ويطيل أمد الحرب. كما أن ارتباط بعض عناصرها بشبكات تدريب وتمويل خارجية يضيف بُعداً إقليمياً للصراع، يجعل من السودان ساحة مفتوحة لتقاطعات مصالح متعددة.
من هنا، فإن معارك التُكمة لا تمثل فقط تحوّلاً ميدانياً، بل تحمل دلالات استراتيجية أعمق. فهي تكشف عن بداية تآكل في البنية القيادية لهذه الجماعات، وفي الوقت نفسه تضع المجتمعين الإقليمي والدولي أمام مسؤولية متزايدة لفهم طبيعة هذه الكيانات، والتعامل معها باعتبارها جزءاً من منظومة تهديد أوسع تتجاوز حدود السودان.
كذلك، إن النهاية التي لقيها المدعو “الشيخ أبو تامر” ومن معه ليست سوى نتيجة منطقية لمسار قائم على العنف والتطرّف والتورط في حروب متعددة. غير أن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه الآن: هل تمثل هذه النهاية بداية انحسار فعلي لنفوذ هذه الجماعات، أم أنها مجرد محطة في مسار أكثر تعقيداً يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة؟ الإجابة على هذا السؤال ستتوقف إلى حد كبير على قدرة السودان الجديد وتعاون ودعم المجتمع الإقليمي والدولي، في تفكيك البنى التي أنتجت هذه الظاهرة، وليس فقط مواجهة تجلياتها العسكرية.



