رأي

مسلخ الكدرو: حين يدير العسكر اقتصاد اللحوم في السودان

السفير: عادل إبراهيم مصطفي 

 

السفير: عادل إبراهيم مصطفي 

تحت عنوان «كامل إدريس يتفقد مجمع مسالخ الكدرو»، أورد موقع «مدنية نيوز» الإلكتروني خبرًا مفاده أن رئيس وزراء سلطة بورتسودان أجرى زيارةً إلى مجمع مسالخ الكدرو، حيث وقف على سير العمل وترتيبات استئناف صادر اللحوم، واطّلع على الإمكانات الفنية للمجمع. وأشار الخبر إلى أن المجمع يتمتع بتجهيزات حديثة وطاقة تصميمية تصل إلى 18 ألف رأس من الضأن و1000 رأس من العجول يوميًا، بسعة تخزينية تبلغ 500 طن من اللحوم. كما نقل إشادة رئيس الوزراء بجهود العاملين، وبالتعاون بين وزارة الثروة الحيوانية ومنظومة الصناعات الدفاعية.

غير أن هذه الزيارة تعيد إلى السطح سؤالًا جوهريًا: لماذا يتبع مسلخ الكدرو لوزارة الدفاع، في حين توجد وزارة مختصة بالثروة الحيوانية يُفترض أن تضطلع بهذه المهام؟

هذه المفارقة ليست تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل مدخل لفهم اختلال أعمق في بنية الاقتصاد السوداني. فالدولة الحديثة تقوم، من حيث المبدأ، على توزيع واضح للاختصاصات: تتولى القوات المسلحة مهامها في حماية البلاد، بينما تدير المؤسسات المدنية الأنشطة الاقتصادية وفق معايير الكفاءة والشفافية والمساءلة. غير أن هذا التمييز ظلّ باهتًا في التجربة السودانية، حيث اتسع إنخراط المؤسسة العسكرية في مجالات اقتصادية مدنية متعددة، شملت الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات، بما فيها الطيران المدني، نعم المدني.

في هذا السياق، يبرز مسلخ الكدرو بوصفه نموذجًا دالًا. فأول ما يثيره هذا الوضع هو تضارب الاختصاصات؛ إذ إن وزارة الثروة الحيوانية هي الجهة الفنية المعنية بتطوير قطاع الماشية، وضبط معايير الذبح والتصدير. وعندما تُدار منشأة محورية في هذا القطاع عبر جهة غير مختصة، تتراجع فاعلية الدور المؤسسي وتضطرب حدود المسؤولية.

وتتصل بذلك مسألة الحوكمة والشفافية. فالأنشطة الاقتصادية التي تُدار خارج الأطر المدنية المعتادة تثير تساؤلات مشروعة حول آليات الرقابة والإفصاح: هل تخضع عائدات هذا المرفق لولاية وزارة المالية؟ وهل تُدرج ضمن الموازنة العامة؟ أم تُدار في مسارات موازية لا تتوفر فيها ذات معايير المساءلة؟

أما الأثر الثالث فيطال بيئة الاستثمار نفسها. فوجود فاعل يتمتع بإمكانات وامتيازات خاصة يخلّ بمبدأ تكافؤ الفرص، ويضعف تنافسية القطاع الخاص. وفي قطاع حيوي مثل تصدير اللحوم، يفترض أن يكون توسيع قاعدة المنتجين والمصدرين أولوية لتعظيم العائد الاقتصادي، لا تقليصها عبر هيمنة جهة واحدة لا تخضع لمعايير الشفافية والرقابة.

في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر فقط بمن يدير مسلخ الكدرو، بل بطبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة مؤسسات تتوزع فيها الأدوار بوضوح، أم شبكة مصالح تتداخل فيها السلطات بلا ضابط؟ إن استمرار هذا النموذج لا يهدد الكفاءة فحسب، بل يقوّض أسس العدالة الاقتصادية ويغلق المجال أمام المنافسة الحرة.

ومن هنا، فإن مسؤولية المعالجة الحقيقية تقع على عاتق مرحلة ما بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، بوصفها المحطة التأسيسية المنوط بها إعادة تأسيس العلاقة بين مؤسسات الدولة على أسس واضحة. فالإصلاح المطلوب ليس مجرد إعادة ترتيب إداري، بل قرار سياسي يعيد رسم الحدود بين العسكري والمدني، ويخضع كل الموارد، دون استثناء، لولاية وزارة المالية ورقابة مؤسسات الدولة.

دون ذلك، ستظل مثل هذه المشاريع، مهما بلغت حداثة تجهيزاتها أو ضخامة طاقتها الإنتاجية، جزءًا من أزمة أعمق، لا من حلّها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!