رأي

النوبيون ليسوا عنصريين… بل ضحية حملات تضليل

محمد داؤد بنداك

 

 محمد داؤد بنداك

9 أبريل 2026

في الآونة الأخيرة، تداولت منصات التواصل الاجتماعي ما يشبه الحملة المنظمة التي تستهدف المكون النوبي، محاولةً وصمه زورًا وبهتانًا بالعنصرية. وهي تهمة لا تصمد أمام أبسط اختبار للواقع، ولا أمام تاريخ طويل من التعايش والتسامح الذي عُرف به النوبيون عبر القرون.

فالنوبيون، بطبيعتهم وثقافتهم، لم يعرفوا العنصرية يومًا، ولم تكن يومًا جزءًا من وجدانهم الجمعي. وأكبر دليل على ذلك أن مئات الآلاف – بل الملايين – من أبناء السودان، بمختلف أعراقهم وثقافاتهم ولهجاتهم، يعيشون اليوم في المنطقة النوبية في أمن وسلام، ربما لم يجدوه في مناطقهم الأصلية التي قدموا منها. هؤلاء لم يكونوا ضيوفًا عابرين، بل شركاء حياة، يعملون في مناجم الذهب، ويمارسون التجارة والزراعة، ويعيشون حياتهم اليومية دون خوف أو تمييز، بل في كثير من الأحيان في ظروف أفضل من أهل الأرض أنفسهم. ولم يُسجل التاريخ القريب أو البعيد حادثة اعتداء عليهم بسبب هويتهم، حتى على مستوى الكلمة الجارحة.

ومع ذلك، يخرج من يتهم النوبيين بالعنصرية، متجاهلًا هذا الواقع الصارخ، ومتمسكًا بحادثة معزولة أو زلة لسان صدرت من فرد، ليعممها على شعب بأكمله. وهنا تكمن الخطورة؛ ليس فقط في الاتهام، بل في منهج التعميم الظالم الذي يتجاهل جوهر القضية وينحرف نحو استهداف جماعي غير مبرر.

إن موقف النوبيين الرافض لما يجري لا علاقة له بالعنصرية، بل يرتبط بمسألة مبدئية تتعلق برفض سياسات إعادة التوطين القسري. فهناك فرق واضح بين استضافة النازحين وتقديم الدعم الإنساني لهم – وهو ما قام به النوبيون فعلًا وبشهادة الجميع – وبين إعادة توطينهم بشكل دائم في مناطق بعينها دون مراعاة للتركيبة السكانية أو إرادة أهل الأرض.

لقد استقبل النوبيون إخوانهم السودانيين الفارين من ويلات الحرب وفتحوا لهم بيوتهم قبل قلوبهم، وتقاسموا معهم الطعام والماء رغم شح الإمكانيات. في وادي حلفا ودنقلا وسائر مدن الشمال، لم تُغلق الأبواب، بل ظلت مشرعة كما هي عادة أهل النوبة؛ كرمٌ متجذر، وإنسانية لا تعرف المنّ ولا الأذى. وهذه شهادة لا يمكن إنكارها أو طمسها.

لكن ما يحدث اليوم يطرح تساؤلات مشروعة: لماذا يتم نقل نازحين من مناطق إلى أخرى داخل الإقليم النوبي؟ ولماذا يتم الحديث عن إعادة توطينهم في قرى محددة مثل دلقو، بدلًا من العمل على إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية؟ أليس الأجدر بالدولة أن تعالج جذور الأزمة، بوقف الحرب وتحقيق السلام، بدلًا من ترحيل المشكلة من مكان إلى آخر؟

إن حل أزمة النزوح لا يكون بإعادة توزيع المتضررين جغرافيًا داخل الوطن، بل بإنهاء الأسباب التي دفعتهم للنزوح أصلًا. السلام هو الحل، والعودة الطوعية الآمنة إلى القرى والمدن الأصلية هي الغاية التي يجب أن يعمل الجميع لتحقيقها.

أما استغلال خطأ فردي، أو تصريح غير موفق، لتأليب الرأي العام ضد النوبيين، فهو أمر مرفوض جملةً وتفصيلًا. فالمجتمعات لا تُختزل في أفراد، ولا تُقاس مواقفها بزلات عابرة. وكان الأولى بمن هاجموا النوبيين أن يوجهوا نقدهم إلى الشخص المعني، بدلًا من الانجرار وراء أحكام عامة تفتقر إلى العدالة والإنصاف.

إن النوبيين، كغيرهم من مكونات السودان، ليسوا معصومين من الخطأ، لكنهم أيضًا ليسوا عنصريين. تاريخهم، وسلوكهم، وشهادة من عاش بينهم، كلها تنطق بالحقيقة: أنهم أهل تسامح، وأصحاب أرض مفتوحة للجميع، لا تميّز بين إنسان وآخر إلا بقدر ما يحمل من احترام وتقدير للآخرين.

فلتتوقف حملات التشويه، ولينصرف النقاش إلى جوهر القضية: كيف نبني وطنًا يسع الجميع، لا كيف نتبادل الاتهامات ونغذي الانقسامات.

والتاريخ، في النهاية، لا يرحم من يزوّر الحقائق.

محمد داؤد بنداك

الخميس 09 -2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!