رأي

السودان والهيمنة المصرية الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع …. الفصل الخامس : كيف أصبحت مصر وطنًا بديلاً للسودانيين

دكتور النور حمد

 

المفكر والكاتب السياسي دكتور النور حمد 

تزامن تدهور الأحوال الاقتصادية، ومن ثم المعيشية، في السودان، في حقبة حكم الرئيس جعفر نميري (1969 – 1985)، مع حدوث الطفرةَ النفطيةَ الكبيرةَ في دول الخليج العربية. وقد مثَّل النصف الثاني من عقد السبعينيات بداية سوء الأحوال المعيشية في السودان وتفشِّي الفقر في الطبقة الوسطى. فبسبب التدهور الاقتصادي وتراجع قيمة الجنيه السوداني وتزايد الضغوط المعيشية، بدأ المهنيون السودانيون في الهجرة إلى دول الخليج طلبًا للعمل. وبدأ، من ثم، نزيف العقول السودانية. وتفاقمت، من ثم كارثة التجريف الكبرى للطبقة الوسطى السودانية. أدَّت الهجرة إلى دول الخليج النفطية إلى تحسُّن الأحوال الاقتصادية للمهاجرين السودانيين. فأخذوا يعينون أهلهم ماليًّا في الداخل. كما شرعوا في شراء الأراضي وفي تشييد المساكن الحديثة. غير أن شعورهم بعدم استقرار البلاد كان حاضرًا في أذهانهم على الدوام. فالغلاء في السودان يتفاقم وفق متوالية هندسية جعلت الفارق بين كلفة المعيشة في السودان ونظيرتها في مصر، كبيراً للغاية. وبما أن السودانيين مسموحٌ لهم بالتملك في مصر، فقد شرع كثيرون منهم، نتيجة للغلاء الطاحن في السودان، في شراء العقارات هناك. وعمومًا فإن الروابط التاريخية والتأثير التعليمي والإعلامي والثقافي والسهولة النسبية في التنقل بين البلدين قد جعلت مصر هي الوطن البديل في مخيلة كثيرٍ من السودانيين. وقد قادت الهجرة الضخمة التي قام بها إلى مصر بضع ملايين من السودانيين قبل بداية الحرب، وما يقارب المليون بعد اشتعال الحرب، إلى رسوخ فكرة أن مصر هي الوطن البديل وسط قطاعٍ كبيرٍ من السودانيين. وبطبيعة الحال لم يكن تساهل الأنظمة المصرية في ترك السودانيين يعيشون في مصر بلا هدف. فالأنظمة المصرية منذ عهد الملك فاروق كانت تخطط لضم السودان إليها. وعندما رفض السودانيون الوحدة معها لجأ واضعو السياسات في مصر إلى عدة أساليب ناعمة لإلحاق السودان بمصر. فإلى جانب دعم الانقلابات العسكرية وإفشال الدولة السودانية فتحت الأنظمة المصرية المتعاقبة الباب للسودانيين للعيش في مصر لكي يتنامى وسطهم الشعور بأن مصر هي وطنهم البديل.

تفاقم النزوح إلى مصر

بسبب تدهور الأحوال العامة في السودان ومن ضمنها أحوال المشافي، أصبحت كثيرٌ من الأسر السودانية المقيمة في الخليج تطلب من مرضاها في السودان القدوم إلى مصر للعلاج، حيث يجتمع شمل الأسرة في القاهرة مع أبنائها الذين يعملون في الخليج، أو في الدول الغربية. ففي العقود الأربع الأخيرة ازدادت أعداد السودانيين القادمين إلى مصر عبر مطار القاهرة وعبر معابر قسطل وإشكيت وميناء السد العالي النهري، وغيرها من المنافذ. فمنذ وصول نظام الإنقاذ إلى الحكم في السودان في عام 1989، ازدادت معدلات تردد السودانيين على مصر، وازدادت، من ثم، معدلات تدفق العملة الصعبة التي يجلبها السودانيون العاملون في الخارج إلى هناك. لقد أصبحت زيارات السودانيين مصدرًا من مصادر الدخل الكبيرة للدولة المصرية. وحين تذكر السلطات المصرية أثر السياحة الخليجية أو الأوروبية كنشاطٍ رافدٍ للاقتصاد المصري، فإنها تتجاهل دور السياحة السودانية؛ من علاجية وغير علاجية، وما تدره هذه السياحة، التي لا تضاهي حجمها أي سياحة أخرى، على الخزينة المصرية من عملات أجنبية. فمصر تحرص على ألا يُنسب للسودان أي فضلٍ عليها، مهما كان، وأن ينحصر الأمر في ذكر أفضالها هي على السودان، التي لا يمكن أن تقارن بأي حال بأفضال السودان عليها. فأفضال السودان على مصر لا تعد ولا تحصى. وما من شك أن لمصر بعض الأفضال على السودان، لكن أضرار مصر في السودان لا تعد ولا تحصى. وآخرها استخدامها صلاح الطيران في تخريب بالغ للبُنى التحتية والبنية الصناعية في هذه الحرب التخريبية للدولة السودانية، بغرض إرجاعها إلى نقطة الصفر.

لقد أسهمت الأموال التي يجلبها السودانيون إلى مصر للعلاج في زيادة مداخيل المشافي المصرية الخاصة. كما أنعشت وبقدرٍ كبيرٍ جدًا سوق العقار المصري عبر امتلاك واستئجار السودانيين للشقق. ويكفي أن نذكر ما يقوله المصريون أنفسهم، عن ضخامة استثمار السودانيين في قطاع العقار في مصر. فقد كشف الخبير العقاري المهندس، محمد صلاح عن زيادة حجم الاستثمارات العقارية للسودانيين في مصر، قائلاً إنها قد تتجاوز 40 مليارًا من الدولارات، أي، بما يعادل مبيعات الشركات العقارية تحت الإنشاء، والوحدات العقارية الجاهزة؛ السكنية منها والتجارية والصناعية. أما المهندس فتح الله فوزي فيقول إنها تبلغ 20 مليارا. وكلا الرقمين كبير، رغم أن أحدهما ضعف الآخر. إلى جانب ذلك، هناك انعاش كبير جدًا من جانب هذه الأعداد الضخمة من السودانيين لأسواق البضائع في القاهرة. فالبضائع المصرية التي ينقلها السودانيون كأفراد وليس كشركات إلى السودان من القاهرة كبيرة الحجم. ويكفي أن نعرف أن متوسط الرحلات اليومية لشركات الطيران المصرية والسودانية بين الخرطوم والقاهرة يصل إلى ما بين 6 إلى 7 رحلات يوميًا، ويزيد هذا الرقم في مواسم السياحة. وبطبيعة الحال فإن المسافرين بالبر بين الخرطوم والقاهرة أكبر بما لا يقاس من عدد المسافرين بالطائرات.

لقد تسبب الفساد الذي ساد في فترة حكم الإخوان المسلمين في حدوث ارتفاع خرافي في أسعار الأراضي والعقارات في السودان، إلى الحد الذي أصبح فيه سعر منزلٍ أو شقةٍ متوسطةِ الحال في السودان يكفي لشراء شقة وربما شقتين بمواصفاتٍ مماثلةٍ في القاهرة. وهكذا، يمكن للسوداني أن يشتري شقةً للسكن في القاهرة للسكن، ويؤجر الشقة الأخرى لمستأجرين، لمقابلة كلفة المعيشة. كما أن ما يكفي للمعيشة في الخرطوم لمدة شهر، يمكن أن يغطي كلفة المعيشة في القاهرة لشهرين أو ثلاثة. باختصار، أصبح عيش السودانيين في مصر أرخص بالنسبة لهم من عيشهم في السودان. ويأتي إلى جانب ذلك من المزايا، العيش في القاهرة، فهي مدينةٌ حديثةٌ لا تزال محتفظةً بروح المدينة، في حين فقدت الخرطوم روح المدينة تمامًا، منذ تطبيق قوانين سبتمبر 1983، التي أوحى بها الإخوان المسلمون للرئيس نميري، وأسموها زورًا وبهتانًا، “قوانين الشريعة الإسلامية”. إلى جانب ذلك، فإن القاهرة تتمتع بثبات الخدمات من مياه وكهرباء وتلفون وإنترنت، وشبكة مواصلاتٍ كفؤةٍ زهيدة التكلفة، مقابل عسر وتقطُّع وغلاء في كل تلك الخدمات في السودان.

إلى جانب ما تقدم، أصبحت مصر وجهةً لبعض المعاشيين السودانيين العاملين في الخليج وفي الدول الغربية. فراتب التقاعد الذي يجعل السوداني يعيش على حافة الفقر في الدول الغربية، فإنه يوفر له في مصر معيشةً مريحةً، وربما مرفهة. كل هذه الأموال التي لا تجد لنفسها مكانًا في السودان، جعلها فشل تجربة حكم الإخوان المسلمين في السودان وفسادهم الاستثنائي وجعلهم صنع الأزمات نهجًا للحكم وتجريفهم الحياة المدنية تذهب إلى مصر. ولقد كان من الممكن جدًا، بل كان من أوجب الواجبات الوطنية، أن تصب هذه الأموال الطائلة في بناء السودان وتنميته وتقوية اقتصاده. لكن السياسات الخرقاء خاصة التي انتهجها الإخوان تجاه المغتربين، نفرَّت السودانيين من بلدهم وجعلتهم يتجهون إلى مصر.

الخنق الإخواني للحياة في السودان

لقد أفقر النظام الإخواني الحياة في السودان؛ بإفقاره غالبية أهلها ماديًّا وقضائه على ما تسمى الطبقة الوسطى. وبعد أن خلق طبقةً مترفةً بالغة الثراء، مرفهةً، تعيش في فقاعةٍ خاصةٍ بها في الأحياء الراقية في الخرطوم، وفي بعض المدن الكبرى. هذه الطبقة بالغة الثراء بقيت منغمسةً في نمط عيش مختلفٍ في فقاعتها المعزولة، ولم تعد تشعر بصورة الحياة التي يعيشها من حولها بقية السودانيين. عاش هؤلاء في فقاعتهم الخاصة تلك في الخرطوم، حيث يرتادون مطاعم لا يرتادها غيرهم، ويصلون في مساجدَ فاخرةٍ جعلتها مواقعها في الأحياء الراقية خاصةً بهم، ويركبون سياراتٍ فاخرةً لا يركبها إلا أهل الخليج. ويسافرون بالدرجة الأولى في الطائرات، ويخرجون ويدخلون عبر صالة كبار الزوار متجنبين العبور بالصالة العمومية الكئيبة لأبأس مطار دولي في العالم. ويقيمون حفلات زفاف أبنائهم وبناتهم في صالات لا يطالها غيرهم. أما أولادهم وبناتهم فلهم عوالمهم الخرطومية الخاصة، ومفاهيمهم الخاصة وجامعاتهم الخاصة، بل لهم لغتهم الخاصة، أيضًا. وهكذا أصبح السودان طاردًا لبنيه الباحثين عن حياةٍ حديثةٍ طبيعيةٍ، وأصبح أول ملاذٍ سهل للدخول وللإقامة هو القاهرة وغيرها من مدن مصر. وحين تمل هذه الطبقة المخملية الحياة في فقاعتها الخاصة بها في الخرطوم، وتحس بأنها تريد عيشًا مؤقتًا في إطار حضاريٍّ متكاملٍ الجوانب، يمنحها مزيدًا من الترفيه ومن التميُّزِ الاجتماعي، فإنها تسافر إلى منازلها وشققها الفاخرة في القاهرة، واستنابول، ودبي، وكوالالمبور، وغيرها من عواصم العالم. والآن، بعد أن نشبت هذه الحرب، هرب كثيرٌ من هؤلاء الذين خنقوا الحياة المدينية في السودان حتى أماتوها، وخنقوا الإبداع والثقافة، وحولوا البلاد إلى زريبةٍ كبيرة، إلى القاهرة حيث يعيشون الآن في أفخم الأحياء السكنية مستمتعين بكل مباهج الحياة الحديثة هناك.

إلى جانب الإفقار المادي، أفقر النظام الإخواني الحياة السودانية فكريًا وثقافيًا. فقد أحل فقهاء حفظ واستظهار النصوص القديمة، الذين يجهلون كل العلوم الطبيعية والإنسانية الأخرى، محل المفكرين والمثقفين والأكاديميين، لكي ينيموا له الجمهور ويجهلونه ويجعلونه طوع بنانه. حارب النظام الإخواني في السودان الابداع والمبدعين الحقيقيين. وجاء بالكثير من أدعياء الإبداع في كل مناحي الثقافة من آداب وفنون وملأ بهم الفضاء العام حتى أثقله بالغثاثات والفجاجة والركاكة. قضى الإنقاذيون تمامًا على دور السينما، وخنقوا النشاط المسرحي وضيقوا على الندوات وهيمنوا على الصحافة واشتروا جيشًا من مرتزقة الصحافة. إلى جانب كل ذلك، قضى الفقر وسوء الطرق والظلام وصعوبة التنقل على حيوية الأمسيات التي تتسم بها كل مدينةٍ حديثة.

ماتت الحيوية المسائية المتمثلة في نشاط الأسواق والمقاهي والمطاعم في وسط المدن، وانسحبت إلى الأطراف في شوارع أحياء الطبقة المرفهة. فوسط مدينة الخرطوم، على سبيل المثال، الذي كان بالغ الحيوية في الأمسيات في عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وكان متاحًا للجميع، أصبح يخيم علىه الصمت والظلام مع مغيب الشمس. لذلك، اتخذت الطبقة الوسطى التي أعادت تشكيل نفسها بسبب الهجرة إلى العمل في الخارج، وما تبقى من الطبقة الوسطى داخل البلاد، من القاهرة مدينةً بديلة. ومنذ السبعينيات حين تكاثرت هجرة الطبقة الوسطى إلى دول الخليج من أجل العمل، اتخذت هذه الطبقة من عواصم الخليج أماكن لعيشهم فتحول السودان إلى جهة لزيارة الأهل والأقارب عندما تكون الظروف مواتية. وحتى مجيء هؤلاء في عطلاتهم القصيرة لزيارة أهلهم في السودان تعرض للكثير من أساليب الخنق والتنفير.

اختار بعض السودانيين الذي ترددوا كثيرًا على القاهرة منها مكانًا ثابتًا للإقامة. وبقيت الأكثرية تتردد عليها بكثرة لمختلف الأسباب. بل أصبح صيام رمضان في القاهرة، في العقود الأخيرة، حجًّا سنويًا لدى كثيرين. فحرارة الجو في السودان وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر الذي يمتد لساعات طويلة جعل القاهرة قبلةً رمضانيةً لدى كثيرين. هذا الانهيار العام وانسداد الأفق الذي أحدثه التنظيم الإخواني في السودان، والشعور العام بأن كارثةً وشيكة الحدوث قد أخذت ترفرف فوق الرؤوس، جعل كثيرًا من السودانيين يحتاطون لأنفسهم بشراء شقة في القاهرة، كما سبق أن أشرنا. وهذا هو الذي خلق هذا الانفجار الضخم في تملُّك السودانيين للشقق في مصر بالصورة التي ذكرناها، إلى جانب ذلك فإن القاهرة تتسم بحيويةٍ خاصةٍ في رمضان، حيث يصبح الليل هناك معاشًا كما النهار.

القاهرة مدينةٌ حافظت على نبض الحداثة، بل وزادت فيه الكثير في العقود الأخيرة، في حين فقدت الخرطوم وباطِّراد، حداثتها تمامًا التي عُرفت بها في ستينيات القرن الماضي، وفي سبعينياته، إلى بداية ثمانينياته. لقد حوَّل التنظيم الإخواني الخرطوم إلى مدينة رَثَّةٍ، ميِّتةٍ، كالحةٍ، وغَبِرة، وقد طال ذلك بقية المدن السودانية. وأدى الغلاء المنفلت والإفقار المتزايد للناس إلى أن ينحصر همهم في البحث عن لقمة عيشٍ لا يتحصَّلون عليها إلا بشق الأنفس. أصبحت الغالبية العظمى من السودانيين راسفةً في قيود الفقر وقلة الحيلة، وغارقةً في جو من الكآبة المستدامة، قصارى ما يحمله أفقها المدلهم مجرد التشبث بحلمٍ بالتغيير لا يتحقق أبدًا. باختصارٍ شديد، حوَّل التنظيم الإخواني مدينة الخرطوم، التي هجر كثيرٌ من أهل الريف أريافهم وأتوا للعيش فيها، إلى غابة ملؤها أنيابٌ زرقٌ ومخالبُ حمر. عاصمةٌ مسؤولو محلياتها لصوص وشرطتها مرتشية وكل إجراء حكوميِّ فيها يتم بشق الأنفس ولابد فيه، مع ذلك، من سلوك الطرق الملتوية.

منذ بضعة عقودٍ أصبح قضاء العطلة في القاهرة مع بقية الأسرة القادمة من السودان من أمٍّ مسنة وأبٍ مسن ومن حالات طبية طارئة لمرضى في نطاق الأسرة هي الخيار الأفضل للمغتربين السودانيين. فمصر أسهمت في إفشال الدولة السودانية وقد ساعدتها النخب السودانية، خاصة العسكرية، في هذا الإفشال. والمحصلة النهائية هي تدفق مدخرات السودانيين من العملات الصعبة داخل مصر. أيضًا، جعلت القبضة الأمنية الشديدة ومطاردة المعارضين، في فترة حكم الإنقاذ، كثيرًا من السودانيين يتجنبون العودة إلى السودان، ويفضلون قضاء عطلاتهم في مصر. وقد ساعد على ذلك في فتراتٍ سابقة أن السودانيين لم يكونوا مطالبين بالحصول على فيزا مسبقة لدخول مصر. بل، في فترة حكم نميري وأثناء بداية ما سُمِّي التكامل الاقتصادي بين السودان ومصر، أخذت السلطات في البلدين إصدار ما سُمِّيت بطاقة وادي النيل التي تسمح بالتنقل بين البلدين من غير الحصول على فيزا. لكن، ظلَّت مصر تتنكر، كل حينٍ وآخر، لما يجرى الاتفاق عليه، أو تقوم بالالتفاف عليه بطريقة ما، حين تتوتر العلاقات بين البلدين. وهكذا اتسم النهج المصري في السماح للسودانيين دخول مصر من غير فيزا بالتذبذب. فالأنظمة المصرية تريد شفط السودانيين إلى مصر ليندمجوا فيها طواعيةً. لكن تتعامل معهم بالتضييق حينًا وبالسماح حينًا آخر لتحفظهم في مقام الدونية ولزوم الطاعة. فالتساهل مع قدوم السودانيين إلى مصر وتسهيل إقامتهم فيها جزءٌ من خطةٍ محكمةٍ قديمةٍ متجددةٍ ابتُدِعت أصلاً من أجل استتباع القطر السوداني وإلحاقه بمصر. ثم، ظهر لاحقًا أن هذه السياسة يمكن استخدامها للضغط النفسي والسياسي حين تقتضي الظروف. كما ظهر أن لها مزايا مالية بالغة الأهمية تمثلت في تدفق مدخرات السودانيين بمعدلات بالغة الضخامة إلى داخل مصر.

التكسب من وراء تَشَرُّدِ السودانيين 

في هذه الحرب الجارية الآن استخدم النظام المصري إجراءات الدخول لتصبح أداةً لمص دماء السودانيين بقسوةٍ ووحشيةٍ بالغة. فالسودانيون الآن شعبٌ مشرَّدٌ يبحث عن ملجأٍ آمنٍ، وهو يحتاج ذلك الملجأ حاجة حياة أو موت. وغالبية الذين يذهبون إلى مصر بسبب هذه الحرب، لا يكلفون الدولة المصرية قرشًا واحدًا. فمن يسجلون أنفسهم في مفوضية اللاجئين، تتكفل برامج الأمم المتحدة بإعاشتهم. وإلى جانب ذلك، فإن كثيرين منهم يتلقون تحويلاتٍ ماليةٍ من أقاربهم المغتربين في جهات الدنيا الأربع. لكن الذي حدث أن مصر تفننت عبر سنتيْ هذه الحرب، في تغيير سياسة دخول السودانيين إليها. فاخترعت بالإضافة إلى رسوم الفيزا شيئًا جديَدًا اسمه “الموافقة الأمنية” التي أصبحت شرطًا للدخول لمن هم بين سن 16 و 50 سنة. ومن شروطها الأخرى: أن تكون في حوزة المتقدم تذكرة سفر ذهاب وعودة، وأن تكون بصحبته مستندات تثبت مكان إقامته، وأيضًا أن يكون لديه ما يثبت أن له القدرة المالية لتغطية تكاليف معيشته في مصر. وقد تراوحت رسوم الموافقة الأمنية لدخول مصر للسودانيين في الفترة الأخيرة بين 2600 و3000 دولارا. فهل هذه شروط توضع للاجئ فارٍ من الحرب أم لسائح؟ وهل يدفع أي سائحٍ داخلٍ إلى مصر ما بين 2600 إلى 3000 دولارًا لكل جواز سفر كشرطِ للدخول؟ هل يعقل أن يضع بلدٌ جار شروطًا كهذه أمام لاجئين فارين من الحرب. ولابد من لفت النظر هنا إلى أن دول الخليج العربي، التي استقبلت أعدادًا غفيرةً من السودانيين بسبب هذه الحرب، ومنحتهم إقاماتٍ مؤقتةٍ، لم ترهق كاهلهم بالأتاوات الباهظة وبتعقيد الإجراءات وبالفساد الإداري المؤسسي، ولم تتفنن في إذلالهم وفي الجَّأْرِ بالشكوى منهم لطوب الأرض، كما فعلت مصر مع السودانيين الذين رأت أن تستثمر في مأساتهم وتكسب من وراء ذلك ذهبًا. فكم مليارًا من الدولارات يا ترى قد جنتها مصر من فرض رسوم تبلغ 3000 دولار للجواز الواحد، وليس للأسرة؟ وقد أورد موقع مونت كارلو الدولية في تقرير له أن اللاجئين السودانيين لا يحصلون على أي مساعدات ولا يسمح النظام المصري للأمم المتحدة أو المنظمات غير الحكومية بإقامة مخيمات لإيوائهم. بل هم يتحملون كلفة إقامتهم وتعليم أبنائهم بالكامل. وواضح أن رفض النظام المصري إقامة مخيمات للاجئين القصد منه التكسب المالي من وراء جعل ملف اللاجئين تحت السيطرة المصرية الكاملة. وتقف وراء هذا معرفة مصر بأن السودانيين متكافلون، فالأسر السودانية من كل أركان الدنيا ترسل الأموال للاقارب المقيمين في مصر. فدول الجوار السوداني؛ كتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وحتى يوغندا التي لم تعد لها حدود مع السودان منذ انفصال الجنوب قد تركت الأمم المتحدة تنشئ مخيمات للاجئين وتتولى إدارة شؤونهم. وبسبب تعنت النظام المصري الذي يقف وراءه الطمع، والطمع وحده، عاد آلاف السودانيين من مصر إلى مناطق الحرب في السودان، بل عادوا وهم يرسفون في الأغلال في حملات الترحيل التي نفذتها السلطات المصرية.

لقد اخترع النظام المصري البدعة المسماة “الموافقة الأمنية”، على الرغم من أن بين مصر والسودان اتفاقية موقعة منذ عام 2004، تُسمى “اتفاقية الحريات الأربع”. والحريات الأربع هي: حرية التنقل والإقامة والعمل والتملك. ويعني هذا أن كل سوداني ومصري يستطيع دخول البلد الآخر ويستطيع الإقامة والعمل والتملك فيه. وهي اتفاقية ظل السودان يطبقها حرفيًا ويدع المصريين يدخلون إلى السودان ويعيشون فيه مثلهم مثل السودانيين. لكن مصر ما أن نشبت الحرب وظهر أن ما يقارب المليون سوداني يقفون على حدودها هاربين من لظى الحرب شعرت أن موردًا ماليَّا جديدًا قد أتى يطرق بابها فشرعت في التفنن في رسم أساليب التكسب منه. والحق يقال إن كثيرًا من الأصوات المصرية المنصفة والشريفة قد نادت النظام المصري، بعد عشرة أيام فقط من اشتعال الحرب، بتطبيق اتفاقية الحريات الأربع. وألحَّ هؤلاء أن يتم فتح الحدود المصرية الجنوبية لدخول السودانيين النازحين بسبب الحرب، دون أي قيد أو شرط. لكن ما يراه المنصفون والشرفاء من الشعب المصري شيءٌ، وما يراه النظام الدكتاتوري الكليبتوقراطي شيءٌ آخر.

للمرء أن يتساءل ماذا تعني هذه الاتفاقية الأمنية وما سبب جعلها شرطًا؟ أهي خوفًا من دخول إرهابيين؟ فالإرهابيون ليسوا عامة شعب السودان المشرَّد، وإنما هم نفس النظام الإخواني الذي يحكم السودان حاليًا، ويرعى عددًا من كتائب الإرهابيين الداعشيين المتطرفين من شاكلة كتائب البراء، والبرق الخاطف، والفرقان، والبنيان المرصوص، والنصرة، وغيرها. وكثيرون من رموز الإخوان المسلمين التي تعيش مع النظام المصري في قلب القاهرة هم أنفسهم من أتوا إلى السودان بأسامة بن لادن وكارلوس وغيرهم. وهم أنفسهم من قاموا بمحاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا. وهم أنفسهم من أتوا بالإيرانيين إلى المنطقة. وهم أنفسهم من يهربون الأسلحة الإيرانية إلى حماس عبر بدو صحراء سيناء. وهم أنفسهم من يقومون في هذه اللحظة باستجلاب الدواعش من كل أركان الدنيا ليحاربوا معهم في هذه الحرب الأكثر قذارةً منذ مطلع العصر الحديث. باختصار، لم يكن شرط “الموافقة الأمنية” الذي ابتدعه النظام المصري سوى حيلةٍ لمص دماء شعبٍ مشرَّدٍ يبحث عن مكانٍ آمن ومأوى ومأكل.

البرهان والإخوان يحققون لمصر حلمها

سوف يذهب الفريق عبد الفتاح البرهان في التاريخ السوداني بوصفه أسوأ حاكم مر على البلاد منذ الحقبة الكوشية القديمة. ويمكن أن ينال في إحداث الخراب العميم الذي أحدثه، لقب “نيرون السودان” بلا منازع. ولسوف يذهب النظام الإخواني السوداني كأسوأ منظومةٍ سياسويةٍ أيديولجيةٍ، أحالت البلاد التي حكمتها على مدى ستة وثلاثين عامًا إلى كومةٍ من الحطام والرماد. لقد حقق الفريق البرهان والنظام الإخواني للأنظمة المصرية حلمًا ظلَّت تحلم به منذ أن أخرجتها الثورة المهدية من السودان في عام 1885. هذا الحلم القديم المتجدد هو أن يسقط السودان بين فكيها كما تسقط الثمرة الناضجة. فنحن الآن في أخطر منعطف تمر به الدولة السودانية. وعلينا أن نعي خطر الهيمنة المصرية والدور المصري في إفشال الدولة السودانية. وقد ظلت مصر تستخدم العديد من القوى والنخب السياسية السودانية في هذه الخطة القديمة المتجددة. ولو سارت الأمور على هذا المنوال، فإنها سوف تؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة استعمار مصر للسودان من جديد بطريقةٍ بالغة النعومة، إلى جانب التدخلات الخشنة للطيران المصري في مساندة مشروع البرهان المتمثل في طموحه الشخصي المَرَضي في الاستمرار في الحكم. وفي تقديري، أن إلحاق السودان بمصر سوف يبدأ بسقوط شمال السودان وشرقه، وربما وسطه، لقمةً سائغةً في الفك المفترس للأوليغاركية المصرية، التي وجدت ضالتها في الأوليغاركية الإخوانية السودانية.

باختصارٍ شديد، لقد فشلنا نحن السودانيين عبر ما يقارب السبعين عامًا من الاستقلال في إدارة بلدنا. فنحن المسؤولون عن هذا الفشل، ولا ينبغي أن نلومَ عليه أحدًا سوانا. لكن، لابد من القول: إن للأنظمة المصرية المتعاقبة دورًا في تسبيب هذا الفشل، بل، وبقسطٍ وافرٍ جدًا. وحين نقول ذلك لا نقوله للتشنيع بالأنظمة المصرية. فالأنظمة المصرية، مثلها مثل أنظمة كل الدول؛ ديكتاتوريها وديمقراطيها، تهتبل فرص ضعف الدول الأخرى والثغرات التي تنشأ فيها لخدمة أهدافها. وحين نشير إلى يد الأنظمة المصرية في تكبيل السودان وتعطيله بغرض إلحاقه، إنما نريد إيقاظ الشعب السوداني ونخبه الفكرية والثقافية والسياسية، لنخرج جميعًا من حالة الغيبوبة الطويلة التي أنامتنا فيها الشعارات البراقة الخادعة المتعلقة بالقومية العربية وبالأممية الإسلامية، والأممية البروليتارية، وكذلك الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة.

لا تريد الأنظمة المصرية سودانًا قويًا ناهضًا مستقل القرار السياسي، لأن ذلك يسير على العكس تمامًا من استراتيجتها وأجندتها المستقبلية. وهي استراتيجيةٌ وأجندةٌ ممعنةٌ في الخطأ. وهي استراتيجيةٌ لا تضر بمصالح السودان وحده، وإنما تضر بمصالح مصر أيضًا. تتمثل أجندة مصر في: احتكار مياه النيل، وفي جعل أراضي السودان منصةً عسكريةً متقدمةً لحماية هدفها الرئيس وهو التحكم الكلي في مياه النيل لمصلحتها وحدها. كما يهمها جدًا، وبنفس القدر، تدفُّق المواد الخام إليها من السودان بأبخس الأثمان. وكذلك، إتاحة الأراضي السودانية لها للزراعة ولإعادة توطين مواطنيها الذين اكتظت بهم أراضي مصر فوق ما تحتمل، في أراضي شمال السودان الشاسعة الخصبة، قليلة السكان وفيرة المياه. تتجنب مصر بكل سبيلٍ إقامة علاقة تبادل تجاري وتكامل اقتصادي شفافةً معافاةً مع السودان. هي تريد أن تُملي عبر مختلف الطرق أجندتها على الأنظمة السودانية الديكتاتورية التي تحبذها لحكم السودان، دون أدنى مراعاةٍ لمصالح الشعب السوداني ولتنمية القطر السوداني.

تحارب الأنظمة المصرية الديمقراطية في السودان لأنها تريد أن تعقد الصفقات التي تهمها من وراء ظهر الشعب السوداني. هي تريد أن تملي إملاءً على الديكتاتور الذي تنصبه لحكم السودان. وعمومًا، فإن مصر تعمل على مساراتٍ متعدِّدةٍ وبصبرٍ ومثابرةٍ، منتظرةً مجيء تلك اللحظة التي تستلحق فيه السودان بالدولة المصرية عبر أهله أنفسهم. وستأتي هذه اللحظة حين لا يصبح لدى سكان السودان الشمالي أي حيلةٍ متبقيةٍ لضمان أمنهم واستقرارهم، سوى أن يلجأوا إلى الحماية المصرية. وترجو مصر من هذه الحرب الجارية الآن، التي ينخرط فيها النظام المصري بفعاليةٍ سياسيةٍ ودبلوماسية وعسكريةٍ عاليةٍ أن تحقق لها هذه الخطة بصورةٍ نهائية. وفي تقديري، أن لحظة نجاحها قد قاربت، وهو ما ألح عليًّ ودفعني دفعًا لدق ناقوس الخطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!