
مهدي حامد
تخيلوا أن تنحبس أنفاس أمة لثلاثين عاما تحت وطأة تنظيم لم يرَ في السودان إلا ضيعة خاصة، ثم في لحظة تجلٍّ كونية، ينهار ذلك البنيان المرصوص بالظلم في صبيحة الحادي عشر من أبريل، فإن ما حدث في ذلك اليوم لم يكن مجرد إزاحة لرأس نظام، وإنما كان زلزالاً ضرب جذور “الحركة الإسلامية” التي استباحت الأرض والعرض باسم الدين، فخرج الشعب لا ليبحث عن رغيف الخبز فحسب، وإنما ليسترد كرامته المهدورة في زنازين “بيوت الأشباح” ومحارق الحروب العبثية، حيثُ إن الفوائد التي جناها السودان من تلك الهبة التاريخية لا يمكن حصرها في أوراق السياسة، وإنما تتجسد في تحطيم جدار الخوف وكسر احتكار الحقيقة، حيث استنشق الشباب عبير الحرية الذي كان محرما عليهم، وانفتحت أبواب العالم أمام بلاد كانت منبوذة بسبب سياسات “التنظيم” الإرهابية، ولكن، ومن فرط نقاء الثوار، تسللت الإخفاقات كالأفاعي في عشب المرحلة الانتقالية، فقد غرقت قوى الثورة في وحل المحاصصات الحزبية، وتغافلت عن تفكيك مفاصل الدولة العميقة بجدية، ما سمح لفلول النظام بالتقاط أنفاسهم داخل غرف التآمر.
وهنا تبرز الحيلة الكبرى، فقد تظاهر التنظيم الإخواني بالانحناء للعاصفة، بينما كانت أصابعه تعبث داخل المؤسسة العسكرية، محولةً الجيش من حامٍ للثورة إلى أداة لضربها، فلقد أدرك هؤلاء أن عودتهم للسلطة عبر الصندوق مستحيلة، فما كان منهم إلا الالتفاف على إرادة الشعب بإشعال هذه الحرب اللعينة التي نعيش جحيمها اليوم، تخيلوا أن يحرقوا وطنا بأكمله لمجرد أنهم طُردوا من كراسي الحكم..! وكما هو معلوم إن الحرب الحالية ليست إلا “الخطة ب” في قاموس الحركة الإسلامية فإما أن يحكموا السودان أو يدمروا ما بقي منه.
وتكمن العبرة الآن في الإدراك بأن المعركة لم تنتهِ بسقوط البشير، بل بدأت فعليا حين قرر التنظيم تحويل الجيش إلى درع يحمي مصالح “الكيزان” بدلاً من تطلعات المواطنين، وما هذه الحرب إلا الثمن الباهظ الذي يدفعه السودانيون مقابل قولهم “لا” في وجه التنظيم الإرهابي، وهي المحاولة الأخيرة لفلول النظام البائد لغسل خطاياهم بدماء الأبرياء واستعادة سلطة فقدوها إلى الأبد بأمر الشعب.
الحقيقة التي يجب أن تُحفر في وجدان التاريخ هي أن 11 أبريل سيظل منارةً تخبرنا بأن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن الدماء التي سالت في ساحات الاعتصام والآن في شوارع المدن، تطالبنا ألا نلدغ من جحر الإخوان مرتين، فالثورة التي أسقطت صنم التمكين قادرة على كسر شوكة الحرب، واستعادة الدولة من براثن التنظيم الذي لم يعرف يوماً معنى الوطن.
وإنَّ ما يحدث اليوم في السودان من تمزق وخراب ليس إلا النتيجة الحتمية لارتباط الجيش السوداني عضويا وبنيويا بنظام الحركة الإسلامية على مدار ثلاثة عقود ونيف، الأمر الذي حول المؤسسة العسكرية من حامية للوطن إلى حامية للتنظيم، ومنفذة لأجندة الأيدولوجيا الضيقة التي لا ترى في الوطن إلا غنيمة، وكما أن الدرس القاسي الذي نعيشه الآن يخبرنا بوضوح أن أي انتقال سياسي لا يبدأ بتفكيك حقيقي وشامل لبنية “الأخونة” داخل الجيش، لهو محض وهمٍ ومقامرة بمستقبل الأجيال.
ليعلم التاريخ، ولتدرك الأجيال القادمة، أن حرب الخامس عشر من أبريل كانت الطلقة الأخيرة في جعبة نظامٍ رفض الموت بسلام، فقرر الانتحار في جسد الوطن. إن المخرج الوحيد من هذا المطب الحرج ليس في التسويات الهشة التي تعيد تدوير الوجوه الكالحة، وإنما في فك الارتباط المقدس بين “البندقية” و”المصحف المسيّس”، وفي بناء جيش وطني مهني يدين بالولاء للأرض لا للتنظيم، ومهما كانت النكبات فإن ثورة ديسمبر ستظل منارة الحاضر، وإن انكسرت موجاتها مؤقتا تحت ضربات الغدر، فإن مدها قادم لا محالة، لأن إرادة الشعوب هي من إرادة الله، والظلم مهما تطاول، فإنما هو إلى زوال محتوم.




