تقارير وتحقيقات

برلين تحت الحصار: كيف تُدير سلطة بورتسودان حربًا موازية لإفشال أخطر مؤتمر دولي لإنهاء النزاع في السودان؟

التنوير : تقرير MCN

 

التنوير  تقرير MCN

عندما يصبح السلام تهديدًا للسلطة… تتحول كل أدوات الدولة إلى معاول لتعطيله

في لحظةٍ فارقة من تاريخ السودان الحديث، تتجه الأنظار إلى العاصمة الألمانية برلين، حيث يُرتقب انعقاد المؤتمر الدولي الثالث لدعم السلام وإعادة الإعمار في السودان في 15 أبريل 2026، في توقيتٍ يتزامن مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب التي أعادت تشكيل الدولة السودانية، ودفعت بها إلى واحدة من أعقد أزماتها السياسية والإنسانية. هذا المؤتمر لا يُعد مجرد اجتماع دولي تقليدي، بل يمثل محاولة جادة لإعادة توجيه مسار الأزمة نحو أفق سياسي جديد، في ظل حالة انسداد داخلي عميق وعجز متواصل عن إنتاج حلول وطنية.

غير أن هذا الحدث، الذي يحمل في طياته فرصة نادرة لإنهاء النزاع، لم يسلم من محاولات التشويش والتقويض، إذ تصاعدت بشكل لافت حملات سياسية وإعلامية منظمة تستهدفه، في مشهد يعكس بوضوح أن الصراع في السودان لم يعد مقتصرًا على ميادين القتال، بل تمدد ليشمل الفضاء الدبلوماسي، حيث تسعى قوى بعينها إلى إدارة معركة موازية هدفها تعطيل أي مسار قد يقود إلى السلام أو إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

مؤتمر برلين… تحالف دولي يعكس ثقل الأزمة

يأتي مؤتمر برلين في سياق دولي مختلف، حيث تتلاقى فيه إرادات متعددة من قوى كبرى ومنظمات إقليمية ودولية، تشمل الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة المتحدة، إلى جانب الاتحاد الإفريقي وكندا، وبمشاركة أكثر من 25 وزير خارجية. هذا الحشد يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأزمة السودانية لم تعد شأنًا داخليًا، بل تحولت إلى ملف دولي معقد تتقاطع فيه اعتبارات الأمن الإقليمي، والهجرة، والاستقرار الاقتصادي.

كما أن هذا التنوع في الأطراف المشاركة يمنح المؤتمر درجة من التوازن، ويقلل من احتمالات الانحياز، وهو ما يعزز فرص التوصل إلى مخرجات قابلة للتطبيق، إذا ما توفرت الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف، خصوصًا في ظل تجارب سابقة لمؤتمرات دولية لم تنجح في تحويل مخرجاتها إلى واقع عملي بسبب غياب الالتزام، أو بسبب محاولات التعطيل من الأطراف المحلية.

أهداف المؤتمر… بين وقف الحرب وإنقاذ الإنسان

يركز المؤتمر على هدفين رئيسيين: الأول يتمثل في وقف الحرب عبر تنسيق الضغوط الدولية والإقليمية، وخلق بيئة مواتية لبدء مفاوضات جادة. أما الهدف الثاني فيتعلق بتوسيع الاستجابة الإنسانية، في ظل أوضاع كارثية يعيشها ملايين السودانيين، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف السكان بحاجة إلى مساعدات عاجلة، مع تدهور الخدمات الصحية والتعليمية وانهيار البنية التحتية في عدد من المدن.

كما يتضمن المؤتمر مسارًا مدنيًا تقوده الآلية الخماسية، بمشاركة نحو 40 شخصية سودانية تمثل طيفًا واسعًا من القوى السياسية والمجتمعية، بما في ذلك النساء والشباب، في محاولة لإطلاق نداء وطني يعيد الاعتبار للدور المدني، ويكسر احتكار القرار السياسي من قبل الأطراف العسكرية، ويفتح الباب أمام عملية انتقالية جديدة أكثر شمولًا.

من الثورة إلى الحرب… مسار الانهيار السياسي

لفهم السياق الحالي، لا بد من العودة إلى ما بعد ثورة ديسمبر 2018، حين دخل السودان في مرحلة انتقالية اتسمت بالتوتر بين المكونات المدنية والعسكرية. هذا التوتر، الذي لم يُعالج بشكل جذري، تحول تدريجيًا إلى صراع مفتوح، انتهى بانفجار الوضع في أبريل 2023.

ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في حالة من الانهيار، حيث تراجعت مؤسسات الدولة، وتفككت البنية الإدارية، وارتفعت معدلات النزوح والفقر، في ظل غياب أي أفق سياسي واضح، مما جعل من أي مبادرة دولية فرصة نادرة يجب التعامل معها بجدية، بدل التعامل معها كتهديد.

استهداف المؤتمر… خوف من إعادة تشكيل موازين القوى

الهجوم الذي يتعرض له مؤتمر برلين لا يمكن فهمه بمعزل عن تأثيراته المحتملة على موازين القوى. فنجاح المؤتمر في فرض مسار سلام قد يعني نهاية مرحلة كاملة من الهيمنة العسكرية، وفتح الباب أمام إعادة توزيع السلطة، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا لمصالح بعض الأطراف.

لذلك، تسعى هذه القوى إلى تقويض المؤتمر، ليس لأنه غير مناسب، بل لأنه قد يكون فعالًا، وهو ما يفسر حجم التصعيد الإعلامي والسياسي المصاحب له، ومحاولات التشكيك في أهدافه ونتائجه قبل انعقاده.

خطاب الإقصاء… أداة ضغط سياسية

تروج سلطة بورتسودان لخطاب يقوم على فكرة “الإقصاء”، رغم وجود تمثيل غير مباشر لها داخل المؤتمر. هذا الخطاب لا يعكس واقعًا موضوعيًا، بل يُستخدم كوسيلة للضغط على المنظمين، ومحاولة لإعادة التفاوض على شروط المشاركة.

كما أنه يُستخدم داخليًا لتعبئة الرأي العام، وإضفاء شرعية على مواقف تصعيدية لاحقة، في محاولة لتقديم الصراع على أنه دفاع عن السيادة، بينما هو في جوهره دفاع عن النفوذ.

معركة البيان الختامي… صراع على صياغة المستقبل

تدرك الأطراف المتصارعة أن البيان الختامي للمؤتمر لن يكون مجرد وثيقة رمزية، بل قد يشكل أساسًا لأي عملية سياسية قادمة. لذلك، تسعى قوى الحرب إلى التأثير في صياغته، عبر حذف أو تعديل البنود التي قد تُلزمها بوقف العمليات العسكرية أو القبول برقابة دولية.

هذا الصراع على النص يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية اللغة السياسية في تشكيل الواقع، حيث يمكن لعبارات محددة أن تتحول إلى أدوات ضغط دولية لاحقة، تُستخدم لإجبار الأطراف على الالتزام.

خطاب الخارجية… سيادة بلا أدوات تنفيذ

الحديث عن “انتهاك السيادة” في الخطاب الرسمي يبدو منفصلًا عن الواقع، حيث فقدت الدولة قدرتها على فرض سيطرتها على كامل أراضيها. فالسيادة، في مفهومها العملي، ترتبط بالقدرة على الحكم والإدارة، وهي عناصر تآكلت بشكل كبير خلال سنوات الحرب.

وبالتالي، فإن استدعاء هذا المفهوم في سياق دبلوماسي يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف الواقع بدل التعامل معه، أو محاولة لتوظيفه سياسيًا في مواجهة الضغوط الدولية.

التصعيد كتكتيك… الضغط بدل الحل

تعتمد سلطة بورتسودان على رفع سقف الخطاب السياسي والإعلامي، بهدف انتزاع تنازلات من المجتمع الدولي. هذا النهج، رغم فاعليته في بعض الحالات، يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى تقويض الثقة، وإفشال أي مسار تفاوضي، خاصة إذا لم يقابله حزم دولي واضح يضع حدودًا لهذا التصعيد.

تفكيك الخطاب التحريضي… بين التضليل والتعبئة

الخطاب الداعي إلى مقاطعة المؤتمر يعتمد على سرديات انتقائية، تتجاهل طبيعة التمثيل الواسع داخل المؤتمر، وتروج لفكرة الانحياز الدولي. غير أن الوقائع تشير إلى عكس ذلك، حيث يضم المؤتمر تحالفًا متوازنًا من القوى الدولية والإقليمية.

كما أن هذا الخطاب يتعمد تجاهل البعد الإنساني، ويركز فقط على الحسابات السياسية الضيقة، في محاولة لتوجيه النقاش بعيدًا عن معاناة المدنيين.

اختراق التمثيل… تعطيل من الداخل

تشير تقارير إلى محاولات لإدخال شخصيات محسوبة على النظام السابق داخل وفود مدنية، بهدف تعطيل أي توافق محتمل. هذا الأسلوب يعكس انتقال الصراع من المواجهة المباشرة إلى التكتيكات غير المباشرة، حيث يتم تفخيخ العملية السياسية من الداخل.

التظاهرات المنظمة… تصدير الصراع إلى أوروبا

كشفت مصادر عن ترتيبات لتنظيم تظاهرات في برلين بالتزامن مع المؤتمر، تشمل نقل المشاركين من عدة دول أوروبية، وتوفير الدعم اللوجستي والمالي، بما في ذلك تغطية تكاليف السفر والإقامة. هذه التحركات تهدف إلى خلق ضغط إعلامي وسياسي على المؤتمر، ومحاولة التأثير على صورته الدولية، وإظهار وجود رفض شعبي له، حتى وإن كان هذا الرفض محدودًا أو موجّهًا.

كما أن توقيت هذه التظاهرات، بالتزامن مع انعقاد المؤتمر، يعكس محاولة واضحة للتأثير على مجريات النقاش، وإرباك المنظمين، وإرسال رسائل سياسية إلى الأطراف المشاركة.

السلام كتهديد وجودي… جوهر الأزمة

في عمق هذه التحركات، يظهر أن السلام نفسه يمثل تهديدًا لبعض القوى، إذ يعني إنهاء الحرب فقدان النفوذ، وفتح ملفات الانتهاكات، وإعادة ترتيب السلطة. لذلك، يصبح تعطيل السلام خيارًا استراتيجيًا، حتى وإن كان الثمن استمرار المعاناة الإنسانية.

هذا الواقع يضع المجتمع الدولي أمام معضلة حقيقية، تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة حلها بشكل جذري.

برلين بين الفرصة والتفخيخ

يقف مؤتمر برلين اليوم عند مفترق طرق حاسم، بين أن يتحول إلى منصة حقيقية لإطلاق مسار سلام شامل، أو أن يقع ضحية لعمليات التفخيخ السياسي التي تسعى إلى إبقاء الحرب كأداة للسلطة. فنجاح المؤتمر لا يتوقف فقط على قوة تمثيله، بل على مدى استعداد المجتمع الدولي للانتقال من مرحلة البيانات إلى مرحلة الفعل، وفرض مسار واضح لا يقبل التعطيل أو الابتزاز.

كما أن نجاحه مرهون بقدرة القوى المدنية السودانية على توحيد خطابها، وتقديم بديل واقعي قادر على إقناع الداخل والخارج، في ظل حالة التشتت التي تعاني منها، والتي تمثل أحد أبرز التحديات أمام أي عملية انتقالية.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمتلك العالم الإرادة الكافية لإنهاء الحرب في السودان، أم سيبقى هذا الملف رهينة للتوازنات السياسية ومصالح القوى المتصارعة

ما يجري في برلين ليس مجرد مؤتمر…

بل معركة على مستقبل السودان،

بين من يريد إنهاء الحرب،

ومن يرى فيها وسيلة للبقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!