
مصطفى أحمد صالح الشفيع
الدائرة المغلقة وإمكانية الاستعادة
لم يكن تفكيك السيادات التاريخية في كردفان ودارفور والنيل الأزرق حدثاً انتهي بانتهاء الفترة الاستعمارية، بل كان بداية لبنية جديدة استمرت داخل الدولة الوطنية. فبدل أن يشكّل الاستقلال قطيعة مع الإرث الاستعماري، تم إعادة إنتاجه داخل إطار محلي، مع الحفاظ على نفس منطق السيطرة المركزية.
وعليه، فإن الدولة بعد الاستقلال لم تواجه مشكلة غياب السيادات، بل عملت على منع عودتها، عبر بناء مؤسسات سياسية وأمنية وإدارية أعادت تشكيل المجال العام لصالح مركز يحتكر القرار، مقابل أطراف تُدار كوحدات وظيفية لا ككيانات ذات سيادة.
يمكن فهم هذه البنية من خلال مايمكن تسميته بـ”الدائرة المغلقة “، وهي ليست مجرد توصيف، إنما آلية تقوم على حلقات مترابطة: إضعاف قدرة الأطراف على التنظيم السياسي والإداري والعسكري، تجريد الأطراف من أدوات السيادة، وإبقاء الدولة على مستوى ثابت من عدم الاستقرار في الأطراف، بحيث تُدار الصراعات ولا تُحل، مع تركيز السلطة والموارد في المركز. بهذه الآلية، لايتم فقط التحكم في السلطة، بل يُعاد تعريف دور الأقاليم نفسها، فتُختزل في وظائف محددة مثل التجنيد، العمالة الرخيصة،استخراج الموارد، بينما يُفصل المورد عن مجتمعه ويُعاد توجيهه نحو المركز، مما يمنع تحوله إلى قوة سياسية محلية.
وعندما تختل هذه المعادلة، لاتُعالج عبر إصلاح، بل عبر العنف. وأحياناً مع استيعاب محدود ومشروط لعناصر من الأطراف لتثبيت المعادلة لا لتغييرها أو موازنتها، وهكذا تستمر الدائرة المغلقة في إنتاج نفسها، ليس فقط عبر السيطرة، بل عبر إعادة إنتاج الأزمة نفسها. وعليه، ضمن هذه البنية، لايتم فقط توزيع السلطة بشكل غير متكافئ، بل يُنتج في داخل الدولة زمنان متوازيان: زمن يبني فيه المركز مؤسسات، خدمات، تراكم، وزمن متأخر في الأطراف إنقطاع تنموي، نزاعات مصطنعة، هشاشة.
إمكانية الاستعادة لاتعني العودة إلى سلطنة دارفور أو ممالك كردفان الكبرى، ولا تعني التحرير بالقوة من هيمنة المركز، إذ أن الأخير _ رغم أهميته _ لا يكفي بذاته لكسر البنية التي أعادت إنتاج الإقصاء، فالتحدي الحقيقي ليس في إزالة سيطرة المركز الأمنية، بل في تجاوز النموذج الذي أنتجه المستعمر وورثه المركز.
في السودان الجديد، بعد تحرير كل إقليم، يصبح التحدي الأساسي هو تفعيل مؤسسات فاعلة من داخل الإقليم، ويشمل ذلك بناء منظومة متكاملة: تبدأ بتوطين الأمن بطابع حداثوي ومهني يحترم المواطنين والأجانب والزوار باحترام ولباقة، من خلال تحويله من أداة قمع إلى خدمة مجتمعية.
التعليم يجب أن يُمكّن المواطن من الاستقلال الفكري والرقابة السياسية والوعي بالحقوق والهويات، احترام التنوع والاختلاف، إدراك قيمة الموارد. الاقتصاد، مع تحقق الأمن وإرتفاع الوعي،ينشأ تلقائيا اقتصاد منتج بدلًا من الاقتصاد الاستخراجي. حيث يرتبط المورد بالمجتمع، فَتُوظّف ثروات مثل ذهب جبال النوبة أو الزراعة في كردفان لخدمة التنمية المحلية.
بهذا المعنى، لا تكون الاستعادة قطعية فحسب، بل مساراً تراكمياً يعيد تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويؤسس لشبكة من المراكز المحلية الفاعلة، بدلًا من انتظار مركز واحد يوزع “الفُتات”




