رأي

لا رئاسة تكسر فراسة الشعب.. التحرر من أمثال الاستكانة

زينب حسن سعيد

 

​زينب حسن سعيد

​كثيرة هي القيود التي تكبلنا، لكن أخطرها على الإطلاق هي تلك التي نرددها طواعية على أنها حكمة، بينما هي في حقيقتها وثائق استسلام نفسية. “العندو حبة من الرئاسة، ما تكمل معاهو الفراسة”.. هكذا تحول المعنى الأصلي لمقولة حكيم السودان الشيخ فرح ود تكتوك في وعينا الجمعي إلى أداة للقمع الناعم. إن الكارثة الحقيقية التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم من تراجع سياسي واجتماعي، لا تكمن في المثل نفسه، بل في تلك الجريمة الفكرية المتمثلة في اجتزاء الموروثات من سياقها التاريخي والترويج لها كمسلمات. لقد أخذنا مقولة فرضتها موازين القوى المطلقة في عصور سابقة، حيث كانت المهادنة هي السبيل الوحيد للنجاة، واستنسخناها لنطبقها في عصر يجب أن تُبنى فيه الدول على سيادة القانون وحقوق المواطنة. عندما نردد هذه الأمثال اليوم دون تفكيك لملابساتها التاريخية، فنحن لا نورث أبناءنا الحكمة، بل نُشرّع للخنوع، ونصنع بأيدينا أصناماً من بشر، متناسين أن زمن خضوع الشعوب لمن يملكون “حبة من الرئاسة” قد ولى إلى غير رجعة.

​فقه النجاة أم فقه الخضوع؟

لإنصاف التاريخ، يجب أن نقرأ هذا المثل بعين العصر الذي قيل فيه. في عهد سلطنة الفونج، حيث كانت السلطة غاشمة، مركزية، ومطلقة، لم يكن الشيخ فرح ود تكتوك يدعو للجبن، بل كان يضع لبسطاء الناس “دليلاً للنجاة”. كانت مقولته قراءة سياسية واجتماعية شديدة الذكاء والواقعية؛ فالتصادم المباشر مع من يملك أدوات البطش لم يكن يعتبر شجاعة آنذاك، بل تهلكة مجانية. كانت الفراسة الحقيقية تكمن في تجنب الصدامات الصفرية وتمرير الرسائل بذكاء.

​لكن المأساة بدأت عندما تم انتزاع هذه المقولة من سياقها، وتسربت عبر المناهج التربوية والنقل الشفهي غير الواعي لتتحول من “تكتيك طوارئ” إلى “قانون طاعة” دائم. لقد كبّلنا التراث حين سمحنا لهذه الأمثال بأن تعيد صياغة العقلية الوطنية، لتجعل من الانسحاب أمام السلطة فضيلة، ومن المطالبة بالحقوق ومساءلة المسؤولين تجاوزاً و”قلة حياء” أو ادعاءً لبطولة خاسرة.

​سقوط هيبة السلطة الزائفة

اليوم، وفي ظل تحولات جذرية يشهدها الوعي الجمعي، سقطت تلك الهيبة الزائفة التي كانت تحيط بكرسي الرئاسة. لقد أدركت الشعوب، وفي طليعتها الأجيال الشابة، أن الإدارة العامة ليست منحة إلهية، وأن المسؤول — مهما علا شأنه — ليس سوى موظف عام يحكمه إطار دستوري وقانوني، وظيفته خدمة المؤسسة والشعب، وليس التمادي في كسر إرادتهم.

​إن محاولة إسقاط أمثال المهادنة على هياكل الدولة الحديثة والمؤسسات المدنية هو تكريس لفساد إداري وسياسي عميق. فالمؤسسات التي لا تحتمل فراسة أبنائها (أي شجاعتهم، كفاءتهم، ومبادرتهم بالتصحيح والنقد) هي مؤسسات ميتة سريرياً، يقودها مسؤولون يخشون الكفاءات ويحتمون خلف سلطة المنصب بدلاً من سلطة الرؤية والإنجاز.

​قيادة لا تَكسر.. وجيل لا ينحني

إن التحرر من هذا الإرث الثقيل يفرض علينا اليوم مواجهة مزدوجة وصريحة. المواجهة الأولى يجب أن تُوجّه لتلك العقليات الإدارية والقيادية التي لا تزال تعيش في جلباب الماضي؛ تلك القيادات التي تظن أن الكاريزما والتأثير لا يكتملان إلا بسحق إرادة المرؤوسين، وتحويل المؤسسات والكيانات إلى إقطاعيات تتطلب الخضوع التام. يجب أن تدرك هذه العقليات أن القيادة الحديثة والمواثيق المؤسسية الناجحة تُبنى على تمكين العقول وتكامل الفراسات، لا على كسرها وإقصائها، وأن السلطة التي تستمد هيبتها من إذلال الناس هي سلطة تعيش عزلة تاريخية، ومآلها الحتمي هو السقوط.

​أما المواجهة الثانية، فهي معركتنا التربوية والفكرية في إعادة صياغة المناهج والأطر التوجيهية للأجيال القادمة. لقد حان الوقت لننفض الغبار عن وثائقنا التاريخية، ونعيد قراءة تراثنا الشعبي بعين الناقد البصير لا المردد الأعمى. يجب أن نعلم أبناءنا أن نصوص التاريخ ليست مقدسة، وأن ما صلح كفقه للنجاة في عصور البطش، لا يصلح لبناء دولة المؤسسات وحقوق الإنسان. فلتكن فراستنا اليوم في شجاعة التفكير، وفي الوقوف بصلابة أمام أي سلطة تحاول أن تقايضنا على كرامتنا، ولنعلنها صريحة: إن الرئاسة التي تكسر فراسة شعبها.. لا تستحق أن تُطاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!