رأي

استراتيجيات الشيطان؛ الاستثمار في تدني وعي الهامش (2-3) كيف تم إفشال محاولات رتق النسيج الاجتماعي؟

عباس أحمد السخي

 

عباس أحمد السخي

إذا كانت استراتيجية “عرب في مواجهة الزرقة” قد نجحت في تفجير البنية الاجتماعية لدارفور، فإن المرحلة الأخطر تمثلت في إفشال كل محاولة لإعادة ترميم هذا الخراب. فالدولة العميقة، التي استثمرت طويلًا في إنتاج الانقسام، لم يكن من مصلحتها أن ترى هذا النسيج يُعاد رتقه من جديد، لأن وحدة الهامش تعني – ببساطة – نهاية لعبة السيطرة عبر التفتيت.

لقد أدركت بعض القيادات، بعد سقوط نظام البشير، أن استمرار الاحتراب الداخلي هو انتحار جماعي، وأن أي مشروع سياسي في دارفور لا يمكن أن يقوم على ركام الكراهية. ومن هنا برزت مبادرات جادة لرتق النسيج الاجتماعي، قادها محمد حمدان دقلو، واضعًا في مقدمة أولوياته تحييد الصراع الإثني وإعادة تعريفه كأزمة سياسية وتنموية، لا كحرب هويات.

لكن هذه المحاولة، التي بدت في ظاهرها فرصة تاريخية، وُوجهت بحملة منظمة لإجهاضها من الداخل قبل الخارج. وذلك من خلال:-

أولاً: شراء الذمم… تفكيك المصالحة من داخلها

أول أدوات الإجهاض كانت اختراق القيادات نفسها. فبدلًا من مواجهة مشروع المصالحة علنًا، جرى العمل على تفريغه من مضمونه عبر استمالة قادة الحركات المسلحة، خصوصًا أولئك الذين يملكون تأثيرًا داخل مكوناتهم الاجتماعية. حيث تم توظيف المال والامتيازات والمناصب كوسائل لإعادة توجيه هذه القيادات، بحيث تتحول من شركاء في مشروع المصالحة إلى أطراف مترددة أو حتى معرقلة. وهنا لم يكن الهدف إسقاط المبادرة دفعة واحدة، بل إبطاؤها، تشويهها، ثم فقدان الثقة فيها تدريجيًا.

برز في هذا السياق دور بعض القيادات امثال جبريل إبراهيم فهو من الشخصيات التي كانت جزءًا من صناعة الأزمة في مراحل سابقة، ثم عادت لتلعب دور الشريك في السلام، بينما ظلت – في العمق – مرتبطة بشبكات النفوذ الايديولوجي القديم، وتتحرك وفق حساباتها.

 

ثانيًا: توظيف الانتماءات الضيقة… إعادة إنتاج الشك

الأداة الثانية كانت إعادة تنشيط الانتماءات الإثنية الضيقة، لا كواقع اجتماعي طبيعي، بل كأداة تعبئة سياسية. فبدل أن تتجه الخطابات نحو تعزيز الهوية الجامعة، جرى ضخ رسائل ممنهجة تعيد إحياء المخاوف التاريخية، وتغذي الشكوك بين المكونات المختلفة.

في هذا السياق، استُخدم نفوذ بعض القيادات داخل مجموعات بعينها – مثل الزغاوة – لإعادة توجيه المزاج العام نحو الحذر من أي تقارب مع المكونات الأخرى، وتصوير المصالحة كتنازل أو خديعة، لا كضرورة وجودية. وهكذا، تحولت المصالحة – التي كان يُفترض أن تكون جسرًا للعبور – إلى ساحة جديدة للصراع النفسي والسياسي، تُدار فيها الشكوك بدلًا من معالجتها.

 

ثالثًا: الآلة الإعلامية… صناعة سردية مضادة

لم تكن الحرب على المصالحة عسكرية أو سياسية فقط، بل كانت – في جوهرها – حربًا على الوعي. فقد لعبت الآلة الإعلامية المرتبطة بالدولة العميقة دورًا حاسمًا في تقويض الثقة بأي مشروع تقاربي.

إذ جرى تصوير محمد حمدان دقلو، رغم محاولاته للمصالحة، بوصفه المسؤول الأول عن كل مآسي دارفور، في عملية انتقائية تتجاهل الدور المركزي الذي لعبته الدولة الرسمية في تسليح وتدريب وتمويل المليشيات القبلية منذ بداية الأزمة.

هذا الخطاب لم يكن بريئًا؛ بل كان يهدف إلى نزع الشرعية الأخلاقية عن أي مبادرة يقودها، وبالتالي إحباط أي التفاف شعبي حولها. فحين يُقنع الناس بأن الوسيط هو الجاني، تصبح المصالحة نفسها موضع شك.

رابعًا: تفكيك الثقة… الهدف الأعمق

في نهاية المطاف، لم يكن الهدف من هذه العمليات هو إسقاط مبادرة بعينها، بل ضرب فكرة المصالحة نفسها. فالمجتمعات التي تفقد ثقتها في إمكانية التعايش، تصبح أكثر قابلية للانقسام، وأسهل في التحكم. لقد نجحت هذه الاستراتيجية، إلى حد بعيد، في إعادة إنتاج حالة الشك بين مكونات دارفور، وفي تحويل أي تقارب إلى مشروع مؤقت، سرعان ما يتآكل تحت ضغط الشائعات والمصالح المتضاربة.

ختاما؛ إن إفشال محاولات رتق النسيج الاجتماعي لم يكن نتيجة أخطاء عفوية أو ضعف في التنفيذ، بل كان فعلًا مقصودًا ومنظمًا، استخدمت فيه أدوات المال والإعلام والانتماء الضيق، لإبقاء دارفور في حالة سيولة دائمة.

فالدولة العميقة تدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يكتشف أبناء الهامش أنهم، رغم اختلافاتهم، يملكون مصلحة مشتركة في السلام. لذلك، كان لا بد من إبقاء هذه الحقيقة غائبة، أو على الأقل، مؤجلة.

وفي الحلقة الثالثة، تتكشف الطبقة الأكثر تعقيدًا وخطورة: استراتيجية الإضعاف التبادلي، حيث لا يكتفي النظام بإشعال الصراع بين المختلفين، بل يدفع حتى أبناء البيت الواحد إلى مواجهة بعضهم البعض، في مشهد يعكس ذروة الانحدار في إدارة الصراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!