من نيالا ينبض التحول: نساء جنوب دارفور يقتحمن دوائر القرار… ومديخير يعلنها بوضوح: لا ديمقراطية بلا قيادة نسوية
التنوير نيالا تقرير سهيبة مريش

التنوير نيالا تقرير سهيبة مريش

تحوّل هادئ… يعيد رسم المشهد
في قلب مدينة نيالا، حيث تتقاطع تحديات الواقع مع تطلعات المستقبل، برزت ملامح تحول نوعي تقوده النساء في جنوب دارفور، في مشهد يتجاوز حدود التدريب إلى إعادة تعريف دور المرأة في المجال العام. لم تعد مشاركة النساء محصورة في الأطر التقليدية، بل بدأت تتجه بثبات نحو مراكز التأثير وصناعة القرار، في سياق سياسي واجتماعي يفرض إعادة ترتيب الأولويات.
الدورة التدريبية التي احتضنتها المدينة لم تكن مجرد فعالية عابرة، بل جاءت كإشارة واضحة إلى أن المرحلة المقبلة ستُكتب بلغة جديدة، تتصدر فيها النساء واجهة الفعل السياسي، وتتحول فيها الطاقات النسوية إلى قوة منظمة تسهم في إعادة تشكيل ملامح الحكم.
دورة في توقيت مفصلي
انعقاد هذه الدورة جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تمر البلاد بمرحلة انتقالية معقدة تتطلب توسيع قاعدة المشاركة السياسية، خاصة في مناطق الهامش التي دفعت كلفة باهظة من الصراعات. وقد نظمت الدورة أمانة المرأة الاتحادية بالقوى المدنية المتحدة (قمم) بالشراكة مع أمانة المرأة بولاية جنوب دارفور، في إطار رؤية تستهدف بناء قاعدة نسوية واعية وقادرة على التفاعل مع متغيرات المرحلة.
وشهدت الدورة مشاركة واسعة من قيادات نسوية شابة ومخضرمة، إلى جانب حضور نوعي لأعضاء المكتب التنفيذي وفاعلين في الشأن العام، ما أضفى على الفعالية طابعًا سياسيًا ومجتمعيًا يعكس حجم التحول الجاري في بنية المشاركة.

بناء القدرات… من الهامش إلى المركز
تركزت محاور التدريب على تطوير المهارات القيادية وتعزيز الوعي السياسي، مع التركيز على آليات المشاركة الفاعلة في صناعة القرار. كما ناقشت الجلسات التحديات التي تواجه النساء، خاصة في البيئات الريفية، حيث تتداخل العوائق الاجتماعية مع محدودية الفرص.
غير أن اللافت في النقاشات كان الاتجاه نحو تحويل هذه التحديات إلى فرص، عبر بناء شبكات دعم نسوية، وتعزيز الثقة بالقدرة على القيادة، وفتح مسارات جديدة أمام النساء للانخراط في الشأن العام. هذا التحول في التفكير يعكس انتقالًا من مرحلة المطالبة بالحقوق إلى مرحلة ممارستها على أرض الواقع.
أصوات نسوية تؤكد الجاهزية
في هذا السياق، أكدت الأستاذة منى الزين، أمينة المرأة بولاية جنوب دارفور، أن النساء لعبن أدوارًا محورية منذ اندلاع الأزمة، سواء في دعم المجتمعات المحلية أو في الحفاظ على التماسك الاجتماعي. وأشارت إلى أن هذا الدور لم يعد خفيًا، بل أصبح قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع المشاركة النسوية في المرحلة المقبلة.
حديث الزين لم يكن مجرد توصيف، بل حمل دلالة واضحة على أن النساء في جنوب دارفور تجاوزن مرحلة التهميش، وأصبحن شريكًا فعليًا في صناعة المستقبل، بما يمتلكن من خبرات ميدانية ورؤية واقعية لطبيعة التحديات.
التمكين… استحقاق لا ترف
من جانبها، شددت الأستاذة فتحية ديدان، أمينة المرأة بالمركز، على أن تمكين المرأة لم يعد خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة. وأكدت أن أي مشروع سياسي يسعى لتحقيق الاستقرار لا يمكن أن ينجح دون إشراك النساء بشكل حقيقي في هياكل الحكم.
وأشارت إلى أن النصوص الدستورية التي أقرت نسبة (40%) لمشاركة المرأة تمثل خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية وآليات تنفيذية تضمن ترجمتها إلى واقع ملموس، بعيدًا عن الشعارات أو التوظيف الرمزي.
مديخير: المرأة صمام الأمان للتحول
اختتام الدورة حمل رسالة سياسية واضحة، حيث قدم رئيس القوى المدنية المتحدة (قمم)، الأستاذ هارون مديخير، قراءة عميقة لدور المرأة في المرحلة الانتقالية. وأكد أن النساء يشكلن حجر الزاوية في أي مشروع جاد للتحول الديمقراطي، واصفًا إياهن بـ”صمام الأمان” في معادلة إعادة بناء الدولة.
وأشار مديخير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد توجهًا عمليًا نحو تمكين النساء، ليس فقط عبر الخطاب السياسي، بل من خلال إدماجهن في مواقع صنع القرار، بما يعكس تطلعات المجتمع ويؤسس لعملية تحول مستدامة.

نحو مستقبل تُصنع ملامحه من نيالا
ما شهدته نيالا ليس حدثًا معزولًا، بل جزء من مسار أوسع يعيد صياغة العلاقة بين المجتمع والدولة، ويمنح النساء موقعًا متقدمًا في هذه المعادلة. فمع تزايد الوعي وتنامي القدرات، تبدو النساء في جنوب دارفور أكثر استعدادًا لقيادة التغيير، والمساهمة في بناء نموذج جديد للحكم يقوم على الشراكة والعدالة.
وبينما تمضي البلاد نحو مرحلة مفصلية، تظل الرسالة الأبرز التي خرجت بها هذه الدورة واضحة: لا تحول ديمقراطي حقيقي دون حضور نسوي فاعل، ولا استقرار مستدام دون إشراك النساء في صياغة المستقبل.




