
سمية النور دهب ،، دبلن
لم يعد الجدل حول التغطية الإعلامية للحرب في السودان مجرد اختلاف مهني في زوايا التناول، بل بات مرآة واضحة لحالة الاستقطاب الحاد التي تحكم المشهد. وفي هذا السياق، يبرز السؤال الذي طرحته قناة الجزيرة – السودان حول “من أطلق الطلقة الأولى؟” كنموذج مثير للنقاش، ليس بسبب مضمونه، بل لطريقة طرحه وسياقه العام.
فالسؤال في ظاهره يبدو مشروعًا، لكن إعادة طرحه بعد مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، دون استحضار كافٍ لتراكم الوقائع والإفادات، يضعه في دائرة التساؤل حول الهدف منه. إذ يرى متابعون أن مثل هذه الصياغات قد تسهم في إعادة تشكيل السردية بدل توضيحها، خاصة عندما يتم تقديم بعض الروايات على حساب أخرى.
اللافت أن الطرح الإعلامي المصاحب للسؤال أشار إلى اتهام قوات الدعم السريع بإشعال الحرب مقابل نفيها، دون التطرق بذات المستوى إلى إفادات متكررة صادرة عن قوى مدنية وسياسية، تحدثت عن تحركات سبقت اندلاع الصراع ونُسبت إلى تيارات إسلامية. هذا التفاوت في العرض، وإن جاء ضمن إطار “سؤال”، اعتبره مراقبون إخلالًا بالتوازن المطلوب في معالجة قضايا بهذا التعقيد.
الإشكالية هنا لا تتعلق فقط بالمحتوى، بل بآلية بناء الرسالة الإعلامية نفسها. فالإعلام لا يكتفي بنقل الوقائع، بل يساهم في ترتيبها وتقديمها، وهو ما يمنحه دورًا مباشرًا في تشكيل وعي الجمهور. وعندما يتم تجاهل أجزاء من الصورة، فإن النتيجة تكون سردية ناقصة قد تربك المتلقي بدل أن تساعده على الفهم.
في المقابل، يؤكد خبراء أن التغطية المهنية للنزاعات تقتضي عرض جميع الزوايا المتاحة، خاصة في ظل تضارب الروايات وغياب تحقيقات حاسمة. فطرح الأسئلة دون سياق كافٍ قد يُفهم كإعادة إنتاج للجدل، لا كمساهمة في كشف الحقيقة.
في المحصلة، يظل السؤال حول “من أشعل الحرب” مفتوحًا، لكن الأهم من طرحه هو كيفية طرحه، ومدى التزامه بالمعايير المهنية التي تضع الحقيقة الكاملة أمام الجمهور، دون انتقائية أو اختزال.




