رأي

كيف وصل السودان إلى ما نحن فيه اليوم؛ الشيوعيون والإخوان والسلفيون (0-4)

صالح السليمي

 

صالح السليمي

مقدمة عامة للحلقات

ليس انهيار الدول حدثًا فجائيًا، ولا هو نتيجة عثرة عابرة في طريق التاريخ، بل هو حصيلة تراكمات معقدة من الأخطاء الفكرية والسياسية، وتواطؤات النخب، وسوء إدارة التنوع، وغياب المشروع الوطني الجامع. والسودان—وهو البلد الذي وُلد مستقلًا وهو يحمل في يده بذور الدولة الحديثة—لم يسقط دفعة واحدة، بل جرى تفكيكه ببطء، عبر صراعات أيديولوجية حادة، ومشاريع متناقضة، كلٌّ منها يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بينما كان في الواقع يقتات على تمزيق المجتمع وتقويض الدولة.

هذه السلسلة تحاول أن تقتحم هذا الملف بلا مواربة؛ تضع الأصبع على الجرح، وتفكك الأدوار التي لعبتها ثلاثة تيارات كبرى—الشيوعيون، والإخوان المسلمون، والسلفيون—في إعادة تشكيل وعي السودانيين بصورة قادت إلى إضعاف الدولة بدل بنائها، وإلى تفتيت المجتمع بدل توحيده.

في الحلقة الأولى نعود إلى لحظة التأسيس: سودان ما بعد الاستقلال، لنفهم ماذا كان لدينا، وما الذي أضعناه.

في الحلقة الثانية نحلل كيف تحولت الأيديولوجيا إلى معول هدم، وكيف التقى الشيوعيون والإخوان—رغم تناقض شعاراتهم—في تخريب البنية الاجتماعية والسياسية.

في الحلقة الثالثة نتناول ظاهرة السلفية الماضوية، بوصفها خطابًا يعطل العقل ويقيد المجتمع ويعيد إنتاج التخلف في ثوب ديني.

أما الحلقة الرابعة فتطرح الطريق إلى الأمام: كيف يمكن استعادة الدولة، وبناء مشروع وطني حديث، يعيد للسودان مكانته بين الأمم.

الحلقة الأولى: سودان ما بعد الاستقلال – الفردوس المهدور

حين نال السودان استقلاله عام 1956، لم يكن دولة وليدة بالمعنى البدائي، بل كان مشروع دولة حديثة مكتملة الأركان نسبيًا، تقف على قاعدة مؤسساتية صلبة، وتملك من المقومات ما يؤهلها لتكون نموذجًا أفريقيًا وعربيًا متقدمًا. لم يكن ذلك محض صدفة، بل نتيجة تراكم إداري وتعليمي وتنظيمي أنتج جهازًا مدنيًا محترفًا، ونخبة متعلمة، ومجتمعًا متماسكًا إلى حد بعيد.

الدولة المدنية آنذاك لم تكن شعارًا فضفاضًا، بل واقعًا معاشًا:

خدمة مدنية منضبطة، تقوم على الكفاءة والانضباط، لا على الولاء السياسي أو الأيديولوجي. مؤسسات عدلية راسخة، تضمن حدًا معقولًا من العدالة الاجتماعية، وتُخضع الجميع—نظريًا وعمليًا—لسيادة القانون. لم يكن الفساد ظاهرة بنيوية كما هو اليوم، بل كان استثناءً يُدان لا قاعدة يُكافأ عليها.

أما التعليم، فكان مشروعًا وطنيًا حقيقيًا، ينتشر في المدن والأرياف، ويُخرّج أجيالًا تمتلك أدوات التفكير والمعرفة. ولم تكن المرأة مهمشة، بل كانت شريكًا في المجال العام: لها حق التعليم والعمل والتصويت، وتتمتع—في سياقها التاريخي—بمساحة معتبرة من الحقوق مقارنة بمحيطها الإقليمي.

وفي الجانب الحضري، كانت الخرطوم مدينة تضاهي في تنظيمها كثيرًا من عواصم الإقليم: شبكات نقل وسكك حديد، طرق معبدة، تخطيط عمراني منظم، ونظام صرف صحي يُعد متقدمًا في سياقه الجغرافي. لم تكن المدن السودانية مجرد تجمعات سكانية، بل مراكز إنتاج وتجارة، مرتبطة بالموانئ النهرية والبحرية، في شبكة اقتصادية نشطة.

أما القطاع الصحي، فقد كان نموذجًا للتكامل:

مستشفيات في المدن، ومراكز صحية في الأرياف، ونظام بيطري متقدم يغطي البلاد، مع حملات تطعيم موسمية منتظمة للثروة الحيوانية. ولم يكن ذلك تفصيلًا ثانويًا، بل ركيزة أساسية في اقتصاد يعتمد على الزراعة والرعي.

لكن من أعظم ما امتلكه السودان آنذاك، وربما أقل ما يُذكر اليوم، هو نظام الإنذار المبكر—ذلك الجهاز الذكي الذي كان يرصد الأزمات قبل وقوعها:

يراقب تحركات الجراد والطيور لحماية المحاصيل، يتابع شح الموارد لتفادي المجاعات، يرصد التوترات القبلية قبل انفجارها، ويعتمد أنظمة مثل “خطوط النار” لحماية المراعي من الحرائق. كان هذا النظام تعبيرًا عن عقل دولة يفكر استباقيًا، لا ارتجاليًا.

غير أن هذه الصورة المضيئة لم تصمد طويلًا.

فالمشكلة لم تكن في ضعف البنية، بل في سوء إدارة هذه البنية، وفي الصراع المبكر على السلطة، وفي غياب مشروع وطني جامع يحمي الدولة من تغول الأيديولوجيا.

سرعان ما تحولت الساحة السياسية إلى ميدان صراع بين قوى لا تؤمن بالدولة كإطار جامع، بل كغنيمة يجب السيطرة عليها.

بدأت تسييس الخدمة المدنية، وتآكل استقلال القضاء، وتراجع معيار الكفاءة لصالح الولاء. ومع كل انقلاب أو اضطراب سياسي، كانت الدولة تفقد جزءًا من روحها، وتتآكل مؤسساتها من الداخل.

كما أن إدارة التنوع—وهو أعقد تحدٍ واجه السودان—لم تُحسم على أسس عادلة.فبدل أن يُبنى عقد اجتماعي يضمن المشاركة المتساوية، تُركت الفجوات تتسع، حتى أصبحت لاحقًا بؤرًا للصراع المسلح والانقسام المجتمعي.

ثم جاءت الضربة الأعمق: اختطاف وعي المجتمع.

وهنا يبدأ دور الأيديولوجيات التي لم تكتفِ بمنافسة الدولة، بل سعت إلى إعادة تعريف المجتمع نفسه: تقسيمه، تعبئته، وشحنه ضد ذاته. لم تعد السياسة إدارة مصالح، بل معركة وجود بين “حق مطلق” و“باطل مطلق”. إن مأساة السودان لا تكمن في أنه بدأ ضعيفًا، بل في أنه بدأ قويًا ثم جرى تفكيكه.كان يملك مؤسسات، فهُدمت.وكان يملك مجتمعًا متماسكًا، فمُزق. وكان يملك أفقًا حداثيًا، فاستُبدل بخطابات ماضوية أو شمولية.

وفي الحلقة القادمة، سنكشف كيف التقت بدهاء أو بغير وعي تيارات متناقضة في ظاهرها، متشابهة في أثرها: الشيوعيون والإخوان، وكيف أسهم هذا اللقاء غير المعلن في تفكيك الدولة السودانية، وتحويلها من مشروع أمة إلى ساحة صراع مفتوح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!