
نجم الدين دريسة
ليست الأزمة السودانية الراهنة حادثة منفصلة عن التاريخ، ولا مجرد حرب اندلعت بين أطراف متنازعة ثم تمددت آثارها على الجغرافيا والناس، بل هي نتيجة مباشرة لمسار طويل من اختلال بناء الدولة، وتضخم السلطة العسكرية، وتعثر المشروع الوطني منذ فجر الاستقلال. وما يجري اليوم ليس إلا الفصل الأكثر قسوة في رواية قديمة، ظلت تتكرر بأسماء مختلفة ووجوه متعددة، بينما الجوهر واحد: دولة عاجزة عن بناء مؤسسات قومية عادلة، وجيش تجاوز دوره الطبيعي ليصبح فاعلًا سياسيًا دائمًا.
لقد كان من المفترض أن تكون المؤسسة العسكرية حارسًا للسيادة الوطنية، وسندًا للدستور، ودرعًا للمواطنين. غير أن التجربة السودانية كشفت، عبر عقود متصلة، أن الجيش تحوّل من مؤسسة مهنية إلى مركز قوة سياسي، يتدخل في الحكم، ويعيد تشكيل المشهد الوطني وفق موازين القوة لا وفق الإرادة الشعبية. ومن هنا فإن الأزمة ليست في قائد بعينه، ولا في مرحلة محددة، بل في بنية كاملة تأسست على اختلالات عميقة.
وفي يناير من العام 2024 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الجيش السوداني على خلفية اتهامات تتعلق باستهداف المدنيين وارتكاب انتهاكات خلال الحرب. وقد شكّل ذلك اعترافًا دوليًا بأن ما يجري في السودان لم يعد شأنًا داخليًا يمكن التغطية عليه، بل صار ملفًا أخلاقيًا وسياسيًا أمام العالم. لكن المؤسف أن العقوبات لم تغيّر السلوك، ولم توقف نزيف الدم، بل استمرت الضربات الجوية، وتواصلت معاناة المدنيين، بما يثبت أن المشكلة أعمق من قرارات خارجية، وأرسخ من أن تُحل بإجراء رمزي.
إن المؤسسة التي لا تتأثر بالمحاسبة، ولا تراجع أخطاءها، ولا تخضع لإرادة الشعب، تتحول تدريجيًا إلى سلطة مستقلة عن الوطن نفسه. وهذا ما جعل الجيش السوداني، عبر مراحله المختلفة، عرضة للاختراقات الأيديولوجية المتتابعة. فقد مرّت عليه فترات تمدد فيها الشيوعيون، ثم العروبيون، ثم الإسلامويون، وكل تيار حاول أن يستخدم المؤسسة لصالح مشروعه السياسي. وهكذا غابت المهنية، وتراجعت القومية، وتقدمت الولاءات الضيقة.
ولو كانت بنية الجيش قائمة على أسس وطنية راسخة، لما أصبح بهذه السهولة ساحة للصراع الفكري والتنظيمي. فالمؤسسة القومية الحقيقية لا تستسلم لاختراقات الأحزاب، ولا تتحول إلى أداة في يد جماعة. لكنها حين تُبنى منذ البداية على اختلالات التمثيل، وعلى مركزية النفوذ، وعلى غياب الرقابة، فإنها تصبح قابلة للاستغلال من كل مشروع يبحث عن القوة.
ومن أكثر ما يثير الأسى أن قطاعات واسعة من السودانيين، خاصة في مناطق دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، وشرق السودان، لم تنظر إلى الجيش بوصفه مؤسسة جامعة، بل ربطته بذاكرة الحرب، والقصف، والنزوح، والطوارئ، والانحياز لمركز السلطة. وهذه فجوة خطيرة، لأن أي جيش يفقد ثقة شعبه، يفقد أهم مصادر شرعيته المعنوية.
ولم تأتِ هذه النظرة من فراغ، بل من تاريخ طويل من الحروب الداخلية التي استنزفت البلاد، وخلّفت ملايين الضحايا والنازحين، وأهدرت موارد السودان لعقود. فبدل أن تتجه الدولة إلى التنمية وبناء المدارس والمستشفيات والطرق، ظلت أسيرة ميزانيات الحرب والطوارئ والتسليح والصراعات المفتوحة.
والمفارقة الكبرى أن بعض النخب السياسية والمدنية التي يفترض أنها تقف مع التحول الديمقراطي، ظلت تدافع عن بقاء المؤسسة العسكرية بصورتها القديمة، لا لأنها مقتنعة بمثاليتها، بل لأنها ترى فيها أداة توازن أو حماية لمصالحها. وهكذا تحوّل جزء من النخبة إلى حارس للأزمة بدل أن يكون جزءًا من الحل.
إن أخطر ما في هذا المشهد أن كثيرين يحصرون المشكلة في مرحلة الثلاثين عامًا الأخيرة فقط، وكأن أزمة الجيش بدأت مع عهد سياسي محدد. والحقيقة أن جذور الأزمة أقدم من ذلك بكثير. فالجيش السوداني، منذ نشأته الحديثة، ظل جزءًا من دولة ورثت الكثير من أدوات الاستعمار المركزي، ثم أعادت إنتاجها محليًا دون إصلاح حقيقي. ولذلك فإن اختزال المشكلة في فترة واحدة، هو تهرب من مواجهة التاريخ الكامل.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى ترقيع مؤسسة استنفدت فرص الإصلاح الشكلي، بل يحتاج إلى إعادة تأسيس شاملة. والمقصود بإعادة التأسيس ليس هدم الدولة أو الدعوة للفوضى، بل بناء جيش قومي جديد، يعكس التنوع السوداني، ويقوم على المهنية، ويخضع للدستور، ويبتعد نهائيًا عن السياسة.
فالجيش القومي المنشود يجب أن يمثل كل أبناء السودان دون تمييز، بحيث يشعر المواطن في دارفور كما في الشمال، وفي الشرق كما في الوسط، أن هذه المؤسسة تخصه وتحميه. كما يجب أن تقوم عقيدته القتالية على حماية الحدود والسيادة، لا على إدارة الحكم أو قمع الداخل. وأن يخضع لرقابة مؤسسات مدنية منتخبة، حتى لا يتكرر تاريخ الانقلابات والوصاية على الشعب.
ولا يمكن بناء مستقبل مستقر دون عدالة انتقالية حقيقية، تعترف بالانتهاكات التي وقعت، وتنصف الضحايا، وتجبر الضرر، وتفتح باب المصالحة الوطنية على أساس الحقيقة لا النسيان القسري. فالأمم لا تتجاوز جراحها بإنكارها، بل بالاعتراف بها ومعالجتها.
لقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة أصوات ومبادرات تنادي بإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة، وتدعو إلى مشروع وطني يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة وتقاسم السلطة والثروة. وهذه الطروحات، مهما اختلف الناس حول تفاصيلها، تعبّر عن حاجة حقيقية لدى قطاعات واسعة سئمت من دولة الامتيازات التاريخية، ومن احتكار القرار الوطني.
إن الإصرار على بقاء الجيش بصورته القديمة لن ينتج إلا مزيدًا من الأزمات. فما جرّبته البلاد سبعة عقود لا يمكن أن يتحول فجأة إلى وصفة نجاح. الانقلابات لم تصنع استقرارًا، والحروب لم تصنع وحدة، والقمع لم يصنع وطنًا. وكل محاولة لإعادة تدوير الماضي لن تكون سوى تأجيل لانفجار جديد.
السودان الآن أمام فرصة تاريخية نادرة: إما أن يواصل الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها، حيث الحرب تتبعها هدنة ثم أزمة ثم انقلاب جديد، وإما أن يختار طريقًا مختلفًا يؤسس لدولة حديثة، وجيش مهني، وحكم مدني راشد، وعقد اجتماعي جديد.
إن الشعوب قد تتأخر، لكنها لا تموت. وقد تُرهقها المآسي، لكنها لا تستسلم إلى الأبد. وإذا كان قرن كامل قد أثقل كاهل السودان بالصراعات، فإن المستقبل لا يزال مفتوحًا أمام جيل يملك شجاعة الاعتراف، وإرادة التغيير، وحكمة البناء من جديد.
فالمسألة في نهاية المطاف ليست كيف نحافظ على مؤسسة متعبة، بل كيف ننقذ وطنًا يستحق أن يولد من جديد.
حين يصبح بقاء المؤسسة خطرًا على الوطن، يصبح تغييرها واجبًا وطنيًا.
دريسة




