

عبد الرحمن ابورندة ،، بنسلفانيا
الدولة التي تلاحق الكلمة بالقانون… تعترف ضمنًا بعجزها عن مواجهتها بالعقل
إصدار أمر قبض بحق الصحفي الاستقصائي المعروف عبد المنعم سليمان ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في مسار طويل من استخدام الأدوات القانونية في مواجهة الخصوم السياسيين والإعلاميين. فالتهم التي وُجهت إليه بموجب المواد (51/66) من القانون الجنائي لسنة 1991م ليست جديدة في السياق السوداني، بل ظلت تُستخدم لسنوات في قضايا ذات طابع سياسي.
الخطوة التي أقدمت عليها السلطات في بورتسودان تكشف نمطًا واضحًا في التعامل مع الأصوات الناقدة: تحويل الخلاف السياسي أو الإعلامي إلى قضية جنائية. هذا التحول من ساحة النقاش العام إلى ساحة الاتهام القانوني يعكس إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة إدارة الأزمة في السودان.
فعوضًا عن التعامل مع الانتقادات باعتبارها جزءًا من المجال العام، يتم اللجوء إلى نصوص قانونية فضفاضة تتيح تفسيرًا واسعًا، ما يفتح الباب أمام استخدامها في غير موضعها. وهذا النمط لا يقتصر على حالة بعينها، بل يمثل امتدادًا لأساليب سابقة ظلّت حاضرة رغم تغير السياقات السياسية.
المفارقة أن هذه الإجراءات تأتي في وقت يعاني فيه السودان من أزمات مركبة تتطلب قدرًا أعلى من الانفتاح السياسي والإعلامي، لا مزيدًا من التضييق. فالدولة التي تواجه تحديات داخلية وخارجية معقدة، تحتاج إلى توسيع دائرة الحوار، لا تضييقها.
كما أن إعادة استخدام نفس الأدوات القانونية التي استُخدمت في مراحل سابقة يطرح تساؤلات حول مدى حدوث أي تغيير حقيقي في بنية السلطة أو أساليبها. فالتغيير لا يُقاس بتبدل الأشخاص، بل بتبدل النهج، وهو ما لا يبدو واضحًا في هذه الحالة.
من زاوية أخرى، فإن تحويل القضايا الإعلامية إلى ملفات جنائية يحمل مخاطر إضافية، إذ يضعف ثقة الجمهور في المؤسسات القانونية، ويعزز الانطباع بأن القانون يُستخدم كأداة سياسية، لا كوسيلة لتحقيق العدالة. وهذا بدوره يفاقم حالة الاستقطاب ويعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
ولا يمكن تجاهل أن هذه الخطوة تأتي في سياق إقليمي ودولي يولي اهتمامًا متزايدًا بمسألة الحريات العامة، ما يجعل مثل هذه الإجراءات محل تدقيق أوسع، ويؤثر على صورة البلاد في المحافل المختلفة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بشخص واحد، بل بطريقة إدارة المجال العام. فالمشكلة ليست في وجود نقد، بل في كيفية التعامل معه. وإذا استمر تحويل كل خلاف إلى قضية قانونية، فإن النتيجة لن تكون استقرارًا، بل مزيدًا من التعقيد.
السودان اليوم بحاجة إلى مراجعة حقيقية لأساليب إدارة الخلاف، لأن الأزمات لا تُحل عبر التصعيد القانوني، بل عبر معالجة جذورها السياسية. وما لم يحدث هذا التحول، ستظل مثل هذه القرارات تتكرر، وسيبقى المشهد يدور في حلقة مفرغة دون أفق واضح للحل.




