رأي

كلمة حق في زمن الجبن ثورة : الثورة التي أُجهضت من داخلها

الدكتورة اخلاص قرنق

 

الدكتورة اخلاص قرنق

كاتبة وباحثة اجتماعية وحقوقية

في لحظات نادرة من تاريخ الشعوب، تُكتب الكلمات لا لتجميل الواقع، بل لكشفه.

وفي زمن يختلط فيه الصمت بالحكمة، والجبن بالتعقّل، تصبح كلمة الحق واجبًا لا يحتمل التأجيل.

اندلعت الحرب في السودان، فسقط آلاف الشباب من كل بقاع الوطن.

لم يكونوا أرقامًا عابرة، بل أحلامًا مؤجلة، وأمهاتٍ مكسورات، وبيوتًا انطفأ فيها الضوء إلى الأبد.

كان يمكن تفادي كل هذا… لو أن من تصدّروا المشهد أدركوا ثقل اللحظة، واحترموا القسم الذي أدّوه أمام الشعب.

لكن ما حدث كان العكس تمامًا.

قيادة “تأسيس”، التي جاءت محمولة على آمال عريضة، لم ترتقِ إلى مستوى التحدي.

في لحظة كانت تتطلب وضوحًا، شجاعة، وحسمًا، اختارت التردد.

وفي مرحلة حرجة كانت تحتاج إلى أفضل الكفاءات، لجأت إلى اختيارات باهتة، لا تعكس حجم الأزمة ولا تطلعات الناس.

لم يكن الفشل في التفاصيل، بل في جوهر الرؤية

كيف يمكن لثورة دفعت أثمانًا باهظة أن تُسلَّم قيادتها إلى وجوه بلا خبرة كافية؟

وكيف يُطلب من شعبٍ ينزف أن يثق في إدارة لم تُحسن قراءة اللحظة؟

الأكثر إيلامًا، هو الغياب شبه الكامل للعنصر النسائي.

ليس غيابًا عابرًا، بل إقصاء يطرح أسئلة مؤلمة حول صدقية الشعارات التي رُفعت باسم تمكين المرأة.

أين النساء اللاتي قدن الشارع؟

أين الأصوات التي واجهت القمع، وتحملت العبء الأكبر في الثورة والحرب معًا؟

 

ما حدث لا يمكن تفسيره إلا كخذلان متعمد، أو على الأقل كاستخفاف بدور المرأة، في لحظة كان حضورها فيها ضرورة وطنية لا خيارًا تجميليًا.

إن تهميش النساء ليس مجرد خلل تمثيلي، بل مؤشر على خلل أعمق في بنية التفكير السياسي.

فالثورات التي تُقصي نصف مجتمعها، تفقد تلقائيًا جزءًا من شرعيتها وقدرتها على الاستمرار.

ثم يأتي باقي الوجع…

وجع التردد في اتخاذ القرارات الحاسمة.

وجع الخطاب الضبابي الذي لا يُسمّي الأشياء بأسمائها.

وجع الابتعاد عن الناس، وكأن السلطة هدف في حد ذاتها، لا وسيلة لخدمتهم.

الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:

الثورات لا تُهزم فقط بأعدائها، بل أيضًا بأخطاء قادتها.

وما لم تُراجع قيادة “تأسيس” نفسها بجرأة، وتعترف بأخطائها، وتعيد ترتيب أولوياتها على أساس الكفاءة لا المحاصصة، وعلى أساس الشراكة لا الإقصاء، فإنها تخاطر بأن تتحول من أملٍ وطني إلى عبءٍ جديد.

هذه ليست دعوة للهدم، بل محاولة للإنقاذ.

وليست خصومة، بل مسؤولية.

فالوطن الذي دفع كل هذا الثمن، لا يحتمل المزيد من الأخطاء.

والشعب الذي صبر كل هذا الوقت، يستحق قيادة توازي تضحياته… لا أن تخذله.

في زمن الجبن،

تبقى كلمة الحق… آخر ما يمكن التمسك به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!