رأي

ماكينة التضليل.. الوجه الخفي للحرب السودانية!!!!!

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

إذا عجز الباطل عن الانتصار بالقوة، حاول أن ينتصر بالخداع

يمر السودان اليوم بمرحلة تتجاوز حدود الحرب الميدانية وصوت المدافع إلى حرب أكثر تعقيداً وعمقاً: حرب على الوعي الجمعي، تستهدف إدراك الناس قبل أجسادهم، وتضرب الثقة الوطنية قبل أن تضرب المدن والقرى. فقد طوّرت قوى الردة، ومعها بعض النخب القديمة، ودولة وكلاء الاستعمار، وأصحاب الامتيازات التاريخية، واحدة من أخطر ماكينات التضليل السياسي والإعلامي، تعمل بانتظام لخلق واقع بديل، وتشويه الحقائق، وإطالة أمد الأزمة عبر الفضاء الرقمي ومنصات التأثير الجماهيري. إنها حرب لا تُرى فيها الخنادق، لكن خسائرها قد تكون أفدح من أي معركة عسكرية، لأن ميدانها هو عقل المواطن السوداني وروحه.

تعتمد هذه القوى على شبكات واسعة من الحسابات الوهمية، تُدار بعناية وتُصاغ بملامح سودانية مستعارة، لتبدو كأنها أصوات طبيعية من داخل المجتمع، بينما هي في حقيقتها أدوات منظمة لتوجيه الرأي العام. وتتحرك هذه الحسابات في موجات متزامنة، تهاجم كل رأي حر، وتغمر المنصات برسائل مكررة، حتى يبدو الكذب كأنه رأي الأغلبية. وهي لا تناقش ولا تحاور، بل تمارس الإغراق والتشويش، لأن غايتها ليست الإقناع بل إسكات الآخرين. وهنا تتجسد حقيقة ثابتة: أخطر القمع هو ذاك الذي يجعل الناس يرددون خطاب خصومهم وهم يظنون أنه رأيهم الخاص.

وتُدار خلف هذه الحملات غرف مغلقة للتنسيق، تُصدر فيها التعليمات اليومية، وتُحدد فيها الأهداف المراد ضربها، سواء كانوا ناشطين أو صحفيين أو شخصيات عامة تدعو للسلام أو الإصلاح. فتُشن حملات بلاغات جماعية لإغلاق الصفحات، وتُعطَّل البثوث المباشرة، وتُنشر قوائم جاهزة من الاتهامات والشتائم لتُنسخ وتُلصق في التعليقات. وبهذه الطريقة يُصنع مناخ عدائي يجعل الحوار الموضوعي شبه مستحيل، لأن الضوضاء تصبح أعلى من الحقيقة، والصخب يتقدم على المنطق.

ولم تكتف هذه المجموعات بصناعة الضجيج، بل أتقنت كذلك صناعة الأكاذيب. فهي تعيد تدوير الشائعات القديمة في أثواب جديدة، وتُخرج الأخبار الملفقة في توقيتات محسوبة، خاصة عند كل منعطف سياسي أو ميداني. فإذا تعثرت مشاريعها، أطلقت قصص المؤامرات الخارجية، وإذا انكشف فشلها، اختلقت انتصارات وهمية، وإذا ارتفعت أصوات السلام، صنعت أزمات جانبية لتشتيت الانتباه. إنها سياسة تقوم على إغراق المجال العام بالمعلومات الزائفة حتى يفقد الناس القدرة على التمييز بين الصحيح والمصنوع.

ويبلغ هذا التشويه ذروته عندما يتحول كل صاحب رأي مخالف إلى عدو يجب سحقه معنوياً. فتُشن حملات منظمة ضد دعاة السلام والإصلاح، تتضمن تشويهاً شخصياً، وإساءات أسرية، وفبركات لا علاقة لها بالسياسة ولا بالحقيقة. والهدف هنا ليس الرد على الفكرة، بل تحطيم صاحبها أمام المجتمع، حتى يخاف الآخرون من مجرد التعبير عن رأيهم. وتُستهدف النساء بصورة خاصة، لأن هذه القوى تدرك تأثير المرأة السودانية في تشكيل المزاج العام، وفي حماية الأسرة، وفي ترسيخ قيم الحوار والاعتدال.

كما تسعى قوى الردة والنخب المرتبطة بدولة الامتيازات القديمة إلى اختراق المساحات المدنية ومجموعات السلام، بزرع عناصرها في صورة مواطنين عاديين، ثم تبدأ بإثارة الشكوك، وتأجيج الخلافات الداخلية، وتحويل أي اختلاف بسيط إلى صراع كبير. وهي تدرك أن أخطر ما يهدد مشاريعها ليس السلاح، بل اجتماع السودانيين على كلمة واحدة. لذلك تعمل بلا توقف على تفكيك الثقة بين الناس، وتحويل الشركاء الطبيعيين إلى خصوم متشاكسين.

وفي الوقت ذاته، تستخدم خطاباً وطنياً مرتفع النبرة لتغطية واقعها الحقيقي. فتتحدث باسم الدولة وهي أضعفتها، وتتحدث باسم الوطنية وهي رهنت القرار الوطني، وتتحدث باسم المؤسسات وهي استخدمتها لحماية مصالحها الخاصة. وتُقدَّم الدعوات للسلام كأنها ضعف، بينما يُصوَّر استمرار الأزمة كأنه بطولة. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: حين تُصنع الوطنية داخل غرف المصالح، تتحول إلى أداة ضد الوطن نفسه.

ومع تطور التكنولوجيا، دخلت هذه القوى مرحلة أكثر خطورة، باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج صور مزيفة، ومقاطع مركبة، وخطابات منسوبة زوراً إلى شخصيات عامة. وتُستغل محدودية الوعي التقني لدى بعض الناس لتمرير هذه المواد بسهولة، فتنتشر بسرعة قبل أن تُكشف حقيقتها. كما تُستخدم السخرية المنظمة لتقليل قيمة المبادرات الوطنية، وتحويل قضايا مصيرية إلى مادة للتندر والاستهزاء، حتى يفقد الناس الجدية تجاه ما يجري حولهم.

وفي مستوى آخر، يجري تصنيع “أبطال رقميين” يُقدَّمون كقادة رأي أو خبراء أو شخصيات ميدانية، بينما هم مجرد واجهات دعائية مهمتها شحن الغضب، وتغذية الانقسام، وتوجيه الشباب نحو الكراهية. كما تُستغل صور الضحايا لأغراض سياسية، لا بدافع إنساني، ويُستخدم الأطفال والمراهقون في جيوش التعليقات، لتنشئة جيل يتعامل مع العنف اللفظي بوصفه أمراً طبيعياً.

إن قوى الردة، والنخب القديمة، ودولة وكلاء الاستعمار، وأصحاب الامتيازات التاريخية، لا تخوض اليوم معركة من أجل الوطن، بل معركة من أجل استعادة نفوذ فقدته، ومصالح تآكلت، وسلطة لم تعد مقبولة شعبياً. ولذلك فإن سلاحها الأول ليس البرنامج الوطني ولا الرؤية المستقبلية، بل التضليل والتخويف والتشويش.

المعركة الحقيقية في السودان لم تعد فقط على الأرض، بل على العقل. إنها صراع بين الحقيقة والزيف، بين وعي يريد التحرر، وماضٍ يريد العودة، بين وطن يتطلع إلى المستقبل، وقوى لا تعيش إلا على أنقاضه. وإذا لم ينتبه السودانيون إلى خطورة هذه الحرب الناعمة، فإنهم قد يخسرون ما هو أخطر من المعركة العسكرية: قد يخسرون قدرتهم على رؤية الحقيقة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!