رأي

التحول الأمريكي في السودان.. من المراقبة إلى المواجهة

 

د. خالد تارس

لم تعد واشنطن تتحدث همساً عن مايدور في السودان، ولم تعد تمارس دبلوماسية النعومة التي غلّفت مواقفها في أزمات الشرق الأوسط. اليوم تتحدث الولايات المتحدة بوضوح غير مسبوق، وبنبرةٍ تحمل بين سطورها إنذاراً صريحاً لكل من يحاول إعادة إنتاج الإسلام السياسي داخل المؤسسة العسكرية السودانية.
فالتصريحات التي صدرت عن مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، المسؤول الأول عن ملف السودان في إطار الآلية الرباعية، لم تكن موقفٍ عابر، هو تحول استراتيجي في فهم واشنطن لطبيعة الصراع السوداني، وتحديداً لمسؤولية الإسلامويين عن تمديد الحرب وإفشال فرص التسوية السلمية.

بولس قالها بكل صراحة، إن الخطر الحقيقي على السودان ليس في استمرار الحرب وحدها، بل انزلاق البلاد إلى التقسيم نتيجة تغوّل المجموعات (العقائدية) داخل الجيش. هذه الجملة وحدها كفيلة بإعادة رسم خريطة المواقف الدولية. فهي إشارة إلى أن الإدارة الأمريكية باتت تعتبر الإسلامويين داخل القوات المسلحة السودانية تهديداً مباشراً لبقاء الدولة الموحدة، ليس فصيل سياسي يسعى لاستعادة نفوذه.

لقد أدركت واشنطن أن المؤسسة العسكرية التي يُفترض أن تكون حامية للدولة، تحوّلت تماماً إلى أداة في يد بقايا النظام السابق. وأن المجموعات الإسلاموية، المتغلغلة في مفاصل القيادة، تستخدم الحرب ستاراً للعودة إلى الحكم من بوابة القوة والسلاح. لهذا، لم يتردد بولس في إعلان الموقف الأمريكي بوضوح غير مسبوق، وان لا مكان لفلول النظام السابق في مستقبل السودان الجديد.

لكن ما بين السطور، تكمن الرسالة الأعمق، أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة للتعامل مع الإسلام السياسي كجزء من التوازنات الداخلية، لكن كعقبة مركزية أمام بناء الدولة المدنية. وهذا يعني أن كل محاولة لتمكين الإسلامويين سياسياً أو عسكرياً ستواجه بردع دولي كابح، وأن من يظن أن الحرب يمكن أن تُفضي إلى عودة الحكم القديم، إنما يدور عكس عقارب الساعة ويسبح عكس تيار التاريخ.!

الآن قد أدركت واشنطن أن المعركة لم تعد بين جيش وقوات الدعم سريع، هي معركة بين مشروعين متناقضين في الجوهر، مشروع مدني ديمقراطي يسعى لبعث السودان من رماده، وآخر ظلامي يريد أن يُعيد البلاد إلى قبضة الفقه السلطوي والعقيدة العسكرية (المؤدلجة) . لذلك تعمل الآلية الرباعية اليوم على تفعيل لجنة عمليات مشتركة للأولويات العاجلة، تتصدرها مهمة وقف فوري لإطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي لمعاقبة كل من يعرقل السلام أو يغذي الحرب.

وفي هذا السياق، تتسع دوائر النقاش داخل إدارة الرئيس ترامب حول تصنيف المجموعات الإسلاموية المتطرفة في السودان كجماعات (إرهابية) . فالأمر لم يعد يقتصر على الموقف السياسي، يتعداه إلى ملف أمني بامتياز. من الواضح هناك وعي متزايد في أمريكا بأن هذه الجماعات تمثل امتداداً لشبكات إقليمية تستثمر في الفوضى السودانية لتوسيع نفوذها. ومن هنا جاء الاتجاه الحازم لفرض عقوبات محددة على القيادات والجهات التي تموّل أو توفّر الغطاء لتلك المجموعات، في رسالة تأكد أن زمن الإفلات من المحاسبة قد انتهى.

وعلى الصعيد الدولي، فقد بدأت المواقف تتقاطع بوضوح مع الرؤية الأمريكية التي تقود الرباعية. فالأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي باتوا يتحدثون بلغة واحدة، ان السلام لن يأتي مع عودة الفلول، ولا استقرار مع جيش مرتهن للأيديولوجيا. فالتقارير الأممية الأخيرة حمّلت الإسلامويين داخل المؤسسة العسكرية مسؤولية مباشرة عن إطالة أمد الحرب وإفشال مساعي التسوية، فقد أشارت أن أي حل سياسي حقيقي يمر عبر (تفكيك) بنية النفوذ الإسلاموي داخل الجيش وإعادة هيكلته على أسس وطنية لا عقائدية.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد حربٍ على الأرض، هو صراع على هوية السودان، وعلى طبيعة الدولة التي ستولد من ركام هذه الحرب. ان الإدارة الأمريكية، بدعم متزايد من المجتمع الدولي، اختارت موقعها في صف الدولة المدنية الديمقراطية ضد دولة الأيديولوجيا (المذهبية).
ومن هنا يمكن القول إن السهام الأمريكية قد أصابت خاصرة الإسلام السياسي إصابة مباشرة، وأن زمن المواربة قد ولى. فمن يعرقل السلام في السودان سيُعامل (كإرهابي) ، ومن يراهن على إعادة السودان إلى وصاية العمام و (الأحذية البيضاء)، سيكتشف أن التاريخ لا يرحم من يقف في وجه المستقبل.!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!