رأي

زنقة عيال الإنكشارية

ابو عبدالله الراشدي

 

أبو عبدالله الراشدي

في مشهدٍ يصلح أن يكون لقطةً من مسرح العبث السوداني، جلس البرهان مستقبِلًا النور قبة وربعه، وعلى وجهه تلك الابتسامة التي لا تخطئها عين: ليست ابتسامة ترحيب، ولا حتى مجاملة بروتوكولية، بل ابتسامة “الزنقة”. زنقة من ضاقت به الحيلة، وتكاثرت عليه “النعاج السياسية” حتى كادت تأكله حيًا، فراح يفتش عن عصا جديدة يلوّح بها في وجه من ظنهم سندًا فإذا بهم يتحولون إلى أوصياء.

الحكاية، في جوهرها، ليست عن تحالفات تُبنى، بل عن تحالفات تُكسر. فـ“المشتركة” التي جاءت يومًا كقوة إسناد، تمددت حتى صارت شريكًا ثقيلاً، ثم شريكًا مزعجًا، ثم — في لحظة الحقيقة — شريكًا يلوّح بالفاتورة. لم يعد الأمر دعمًا عسكريًا، بل ما يشبه “الإيجار السياسي” الذي يتراكم، بندًا فوق بند، حتى صار الرجل محاصرًا داخل جيشه نفسه، يستأذن من يقاتلون باسمه، ويحسب خطواته على إيقاع بنادق ليست تحت أمرته الكاملة.

وهنا تحديدًا، نفهم سر تلك الفرحة الطافحة وهو يستقبل “البديل”. النور قبة ليس مجرد حليف جديد، بل رسالة مشفّرة: “اللعبة لم تنتهِ بعد، وما زال في الجيب أوراق.” إنها محاولة لإعادة التوازن، أو بالأحرى: إعادة توزيع الخوف. فبدل أن يكون البرهان رهينةً لقوة واحدة، يسعى لأن يخلق توازن رعبٍ صغير، يخفف به وطأة الرعب الأكبر.

لكن السخرية، كما العادة، تكمن في التفاصيل. فالرجل الذي يحاول الإفلات من قبضة “المشتركة”، يفعل ذلك عبر استدعاء نماذج من ذات القاموس القديم: زعامات قبلية، تشكيلات هجينة، وتحالفات تُبنى على الشك أكثر مما تُبنى على الثقة. كأنما الأزمة ليست في الأدوات، بل فقط في من يحملها!

أما الحكاية التي تتناقلها المجالس — عن لوم الأهل له، وقولهم: “لقد وضعتنا تحت رحمة هؤلاء العبّادة” — فهي تختصر المأساة كلها في جملة واحدة. ليست المسألة فقط في من يسيطر على البندقية، بل في من يملك القدرة على ابتزاز من يحملها. وهنا، يصبح القائد العام، paradoxically، أضعف من جنوده، لأنه الوحيد الذي لا يملك ترف الخطأ.

“زنقة عيال الإنكشارية” ليست مجرد عنوان ساخر، بل توصيف دقيق لحالة من يعيد إنتاج المأزق ذاته بأدوات مختلفة. فالإنكشاري، في التاريخ، لم يكن مجرد جندي، بل مشروع قوةٍ منفلتة، تبدأ خادمةً للسلطان، وتنتهي حاكمةً له. وما أشبه الليلة بالبارحة: قوى تُستدعى للحماية، فإذا بها تتحول إلى عبء، ثم إلى خطر، ثم إلى مصير.

وفي النهاية، لا يبدو أن البرهان خرج من الزنقة، بل فقط غيّر زاوية الوقوف داخلها. أما الجدار… فلا يزال هو الجدار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!