رأي

العسكر والعقيدة: البرهان وإعادة وصل الدولة بالمشروع المؤدلج

ايمان التجاني

 

 إيمان التجاني

لم تكن العلاقة بين المؤسسة العسكرية في السودان والتيار الإسلاموي يوماً علاقة عابرة أو تكتيكية، بل ظلت ارتباطاً عميقاً يتوارى حيناً ويظهر حيناً آخر وفق موازين القوة. واليوم، في ظل الحرب والانهيار الشامل، تعود هذه العلاقة إلى الواجهة بصورة أكثر وضوحاً، مع تموضع الفريق أول عبد الفتاح البرهان بوصفه حلقة الوصل الأساسية بين السلاح والمشروع الأيديولوجي الذي لفظه الشارع بعد الثورة.

يحاول البرهان، في خطاباته العلنية، الظهور بمظهر القائد الوطني الذي يخوض حرباً من أجل الدولة، غير أن ما يجري في الكواليس يقدّم صورة مغايرة تماماً. فبدلاً من الانحياز الصريح لمطالب المدنيين بإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام انتقال ديمقراطي، ينخرط رأس السلطة العسكرية في مساعٍ لإعادة ترتيب البيت الإسلاموي، الذي تفتّت بفعل الثورة ثم تعمّقت انقساماته لاحقاً.

إن الحراك الإقليمي الجاري، والذي يستهدف جمع شتات التيارات الإسلاموية السودانية في كيان واحد، لا يمكن فصله عن دور البرهان نفسه. فهذه الجهود لم تُفرض عليه، بل جاءت استجابة لرغبة واضحة في إعادة إنتاج تحالف قديم، يرى فيه ضمانة للبقاء في السلطة، وسنداً سياسياً وعقائدياً في مواجهة القوى المدنية التي ما زالت تتمسك بشعار الدولة المدنية.

تكمن خطورة هذا المسار في أنه يعيد تعريف الحرب بوصفها أداة سياسية، لا مأساة إنسانية. فبدلاً من التعامل معها ككارثة تستوجب الإيقاف الفوري، يجري توظيفها لإقصاء الخصوم، وتصفية الحسابات، وتهيئة المسرح لعودة الإسلامويين عبر الواجهة العسكرية. وهنا يتحول البرهان من قائد يفترض به حماية وحدة البلاد، إلى راعٍ لمشروع يسعى لإعادة إنتاج الاستبداد بثوب جديد.

الأمر لا يتوقف عند الداخل، بل يمتد إلى الخارج، حيث تُبذل محاولات حثيثة لإعادة تسويق الإسلامويين على الساحة الدولية. ويُقدَّم البرهان في هذا السياق بوصفه «الضامن للاستقرار» و«رجل المرحلة»، القادر على إدارة تفاهمات أمنية وسياسية، حتى لو كان ثمن ذلك تجاوز مطالب العدالة والقصاص. وفي هذا الإطار، يبرز السعي لتفريغ ملف العدالة الدولية من مضمونه، عبر بدائل شكلية ومحاكمات صورية لا تستهدف سوى حماية رموز الماضي.

إن جوهر الأزمة السودانية اليوم لا يكمن فقط في تعدد البنادق، بل في هذا التحالف المتجدد بين القيادة العسكرية، ممثلة في البرهان، والمشروع الإسلاموي. فطالما ظل هذا الارتباط قائماً، سيبقى الحديث عن سلام أو انتقال مدني حقيقي ضرباً من التمنيات. تفكيك هذه العلاقة ليس خياراً سياسياً، بل شرطاً ضرورياً لبناء دولة المواطنة، وإنهاء الحلقة الجهنمية التي أبقت السودان رهينة للسلاح والعقيدة معاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!