ردًا على الدكتور الوليد آدم مادبو (حين يستدعي التاريخ كأداة كراهية.. في تفكيك اسطورة الهواوكوست المنسي )
حسن النعمان

حسن النعمان
إن ما يقوم به بعض من يُسمَّون بالمثقفين السودانيين، لا سيما من مكوّنات النخبة الشمالية، من استدعاءٍ انتقائي لتاريخ الخليفة عبد الله التعايشي، لا يمكن قراءته بوصفه اجتهادًا معرفيًا بريئًا، بقدر ما يعكس – في كثير من الأحيان – ترسّبات تاريخية ونفسية عميقة، تُستثمر لإثارة المخاوف وتغذية العصبيات، بما يخدم استمرار مصالح بعينها ويُعيد إنتاج موازين قوى مختلّة.
لقد تحوّل التاريخ، في هذا السياق، من مجالٍ للفهم والتعلّم، إلى أداةٍ للتعبئة والتحريض، تُستحضر عند الحاجة لإثارة مشاعر فئةٍ بعينها، ودفعها إلى التمسك بالسلطة أو القبول باستمرارها تحت ذرائع الخوف من “الآخر”. وما يزيد الأمر تعقيدًا هو انخراط بعض النخب من أقاليم أخرى – بدوافع مصلحية أو أيديولوجية – في هذا الخطاب، الأمر الذي يمنحه غطاءً زائفًا من التعددية.
غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن فقط في هذا التوظيف الانتقائي للتاريخ، بل في البنية العامة للدولة السودانية التي ظلّت، عبر عقود، خاضعة لهيمنة نخب محدودة، نجحت في إعادة إنتاج خطابها ومصالحها عبر أدوات السياسة والإعلام وحتى المجتمع المدني. هذه النخب لم تتردد في تأجيج النزاعات حين يخدم ذلك بقاءها، كما لم تتوانَ عن إلقاء إخفاقات الحاضر على شماعة الماضي، بدلًا من مواجهة جذور الأزمة الحقيقية.
في التجارب الإنسانية الأخرى، يُستدعى التاريخ بوصفه مصدرًا للاعتبار، ومجالًا لاستخلاص الدروس، بما في ذلك الاعتراف بالأخطاء وتصحيح المسار. أما في حالتنا، فقد جرى تحويله – على نحوٍ مؤسف – إلى “بيت رعب”، يُستخدم لتخويف الأجيال وإبقائها أسيرة سرديات الخوف والانقسام.
لكن ما يبدو أن هذه النخب لم تستوعبه بعد، هو أن الوعي الجمعي في الأقاليم التي طالها التهميش قد شهد تحولات عميقة. فهذه المجتمعات لم تعد تقبل بالصورة النمطية التي فُرضت عليها، ولم يعد ممكنًا إعادة إنتاج علاقات الهيمنة القديمة بذات الأدوات. لقد أصبح إدراك الظلم والمطالبة بالحقوق جزءًا من وعيٍ متنامٍ لا يمكن تجاهله أو الالتفاف عليه.
ومن اللافت أيضًا استمرار بعض هذه الأصوات في التحدث باسم السودان وكأنها الوصيّ الحصري عليه، رغم التغيّرات الكبيرة في موازين الوعي والواقع. وهو ما يعكس فجوةً متزايدة بين هذه النخب وبين القاعدة الاجتماعية الواسعة التي لم تعد ترى نفسها ممثَّلة في هذا الخطاب.
وإذا كان السودان، بتعدديته السكانية والثقافية، يزخر بطاقات بشرية هائلة، فإن الادعاء الضمني بعدم قدرة هذه المجتمعات على إدارة شؤون الدولة ليس سوى وهمٍ يُغذّيه الخوف من فقدان الامتيازات، أكثر مما يستند إلى واقع موضوعي. فبلد يضم عشرات الملايين من البشر لا يمكن أن يُختزل في نخبة محدودة، ولا أن يُدار بعقلية الاحتكار والإقصاء.
إن الأزمة الحقيقية ليست في “من يحكم” بقدر ما هي في “كيف يُحكم”، وفي غياب مشروع وطني جامع يقوم على الشراكة والعدالة وتكافؤ الفرص. وما لم يتم تفكيك هذه البنية المختلّة، فإن استدعاء التاريخ سيظل أداةً للصراع، بدلًا من أن يكون جسرًا للمصالحة.
ختامًا، فإن إعادة قراءة التاريخ يجب أن تكون مدخلًا للفهم لا للتحريض، وللبناء لا للهدم. أما الإصرار على توظيفه لإعادة إنتاج الانقسام، فلن يقود إلا إلى تعميق الأزمة، وتأجيل لحظة المواجهة الحقيقية مع جذور المشكلة.




