رأي

سلسلة كشف المستور – ملف خاص ​عقدة النخبة: “الأفندي” المخصي سياسياً ​القيادة الشمالية “شندي” – نقطة تجنيد “الفاشر”!

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

​ مجدي محمد مصطفى ماكن

 

أبطال تحت المكيّف.. وجنود بالوكالة

​في بلادٍ تحوّلت فيها الحرب إلى خلفية يومية للحياة، يصبح أفضل طريق لفهم عمق النفاق الأخلاقي في المشهد السوداني اليوم، ألا تتابع خطب السياسيين ولا مقالات مثقفي الصالونات؛ إسلاميين كانوا أم يساريين.

​الأصدق أن تُجري اختباراً بسيطاً لهؤلاء الذين يملأون الفضاء صراخاً عن “الكرامة” و”الحسم العسكري” و”السيادة” و”إبادة الحواضن الاجتماعية”، ويسممون الأجواء بخطابات العنصرية البغيضة.. اسأل أي واحدٍ منهم سؤالاً واحداً محدداً:

​”أعطني اسماً واحداً لقريب من الدرجة الأولى – أب، ابن، أخ – قُتل وهو يحمل السلاح دفاعاً عن هذه السيادة التي تتغنى بها، خلال أكثر من سبعين عاماً من حروب الدولة؟”

​في 99% من الحالات، ستكون النتيجة فاضحة: صفر كبير.

​ستكتشف أن السجل الحقيقي لمعظم نخب المركز، وقادة الرأي، وقطاعات واسعة من الطبقة الوسطى التي تهتف اليوم “كرامة وسيادة”، هو: صفر في التضحية الشخصية، وصفر في “ضريبة الدم”.

سبعة عقود من الحروب والموت، وأربعة ملايين سوداني ضحية، وهو يقدم صفراً كبيراً من ضريبة الدم، و”حلقوماً” أكبر في التحريض على الحرب!

​لكن لماذا يحرضون على الحرب؟

لأنهم لا يدفعون ثمنها.

مشهد واحد يفضح المستور: ضباط القيادة الشمالية (شندي) في مأمورية رسمية لتجنيد عساكر من الفاشر!

​شندي تستجدي الفاشر!

لأنهم لا يملكون “شهداء” من بيوتهم، ولأن دماءهم أغلى من أن تُسفك من أجل “سيادتهم”، كان من الطبيعي جداً -والمخزي جداً- أن ترى ذلك المشهد العبثي الذي يتكرر في مدن الهامش:

ضابط وعدد من الجنود يجلسون تحت ظل شجرة “لالوب” في أحد تقاطعات مدينة الفاشر، وقد علقوا أمامهم لافتة قماشية كُتب عليها بخط عريض:

“قوات الشعب المسلحة – القيادة الشمالية (شندي) – نقطة تجنيد الفاشر!”

أو “سلاح المدفعية (عطبرة) – نقطة تجنيد الفاشر!”

​تأملوا هذا العار:

القيادة العسكرية في قلب الشمال النيلي (شندي وعطبرة)، حيث الكثافة السكانية للنخبة التي تصرخ “بل بس”، تعجز عن تجنيد أبناء منطقتها للدفاع عن “سيادتها”، فترسل ضباطها ليقطعوا آلاف الأميال إلى دارفور، بحثاً عن شباب فقراء من الهامش ليموتوا دفاعاً عن شندي وعطبرة!

​هذه اللافتة ليست إعلاناً عسكرياً، بل هي وثيقة اعتراف بأن حروب المركز يخوضها “وكلاء” من الهامش، بينما الأصلاء “البلابسة” يشربون الشاي بالينسون، ويحصلون على العطاءات والمنح والوظائف!

​أولاً: تقسيم العمل في مسلخ الدولة

منذ نشوء ما يُسمّى بدولة 56، تشكّلت بنية غير مكتوبة، لكنها صارمة، لتقسيم العمل الطبقي والعرقي داخل “مسلخ” الدولة السودانية:

​دور النخبة النيلية: الحكم، التنظير، الدبلوماسية، التجارة، واتخاذ قرار إشعال الحروب من المكاتب الباردة.

​دور الهامش والفقراء: الجندية، العمل الشاق، ودفع فاتورة تلك القرارات بالأجساد الممزقة والقبور المجهولة.

​هكذا تعاملت النخبة (بيمينها ويسارها) مع دم أبنائها باعتباره “أغلى” من أن يُهدر في الأدغال. تُرسل أبناءها إلى الجامعات الأوروبية والمصرية، وتُرسل أبناء الفقراء – من المتمة إلى دارفور – إلى محارق الحروب.

بهذا المعنى، الحرب بالنسبة للأفندي ليست مأساة، بل “استثمار آمن”: الربح السياسي والرمزي له، والخسارة البشرية على غيره.

​ثانياً: شجاعة التكييف المركزي.. زول “هبوب ضرباا”

أولئك الذين يطالبون اليوم بإبادة “عرب الشتات” ومسح مجتمعات كاملة في الغرب، ويصفقون للقصف الجوي بلا تردد، يفعلون ذلك لأنهم يمتلكون ما يمكن تسميته بـ “شجاعة التكييف”.

​لم يحمل أغلبهم سلاحاً، ولا يعرفون البندقية “أهي ضكر أم إنتاية”، ولم يشمّوا رائحة البارود. هم كما يقول المثل الدارفوري البليغ: “زول هبوب ضرباا”؛ أي شخص لم يضربه سوى الهواء البارد، فصار يتحدث عن الحرب بخفة، “يَهْرِفُ بما لا يَعْرِف”.

​الحرب في وعي هذه الفئة ليست واقعاً دموياً، بل “لعبة فيديو” تُتابَع على شاشات الهواتف من غرف الفنادق في القاهرة أو الشقق الآمنة في بورتسودان. هذا الانفصال العميق عن الواقع هو ما يحوّلهم إلى ساديين محرضين يمارسون القتل “عن بعد”.

أخلاقياً: من السهل جداً أن تطالب بحرق دارفور أو مسح كاودا، عندما تكون أنت وأسرتك خارج مدى النيران. دعوتهم للحرب هي وقاحة من يطالب الآخرين بدفع فاتورة عشائه الفاخر.

​ثالثاً: حين وصل الحريق إلى الصالون.. الهروب الكبير

حرب 15 أبريل مثّلت للمرة الأولى شرخاً في هذه القاعدة. لأول مرة، اقتربت النيران من أحياء “الأفندية” في الخرطوم. وجد الأفندي نفسه فجأة وجهاً لوجه مع العنف الذي كان يصدره للأطراف.

​لكن ماذا فعل؟ هل حمل السلاح دفاعاً عن “عرضه” و”سيادته” كما يصدعنا في الأسافير؟

لا.. بل اصطف في طوابير الهروب، واحتفل بعبور الحدود المصرية بـ “زغرودة” عالية ستخلد في التاريخ، عند حصوله على ختم الخروج!

​ترك “سيادته” المزعومة في عهدة جيش تشكّلت غالبيته من أبناء الهامش (الذين جاء لتجنيدهم من الفاشر وكادوقلي والدمازين)، ثم من منفاه الآمن فتح هاتفه وكتب بكل بجاحة: “يا جيش .. بل بس”.

أي انحطاط أخلاقي أعمق من أن تهرب من المعركة، ثم تصدر أوامر الموت لغيرك من وراء الحدود؟

​ختاماً: الغنيمة للنخبة… والموت لـ “أبناءالهامش”

المشكلة هنا ليست أزمة حرب عابرة، بل أزمة نخبة “مخصية سياسياً وأخلاقياً”.

 

نخبة تريد دولة وحروباً تُدار بدم غيرها، وسيادة تُحمى بجثث لا تحمل أسماءها العائلية.

​ما نشهده اليوم ليس تجسيداً لشجاعة، بل إعادة إنتاج لدولة “الجبن الطبقي”: حيث يصرخ الأفندي، ويموت أبناء الهامش.

​السؤال الجوهري الذي نضعه في وجه كل “البلابسة” والمحرضين:

من يملك حق الدعوة للحرب؟

الإجابة واحدة: هو من يملك شجاعة أن يرسل ابنه للجبهة أولاً.

​إلى أن نرى أبناء قادة الأحزاب والوزراء والناشطين الإسفيريين في الخنادق الأمامية بدل نقاط تجنيد الفاشر، ستظل هذه الحرب عاراً يلاحق “تجار الدماء”، وليست “معركة كرامة”.

لأنهم ببساطة.. لا يخسرون شيئاً، بينما يطلبون منكم أن تخسروا كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!