رأي

غرفة العمليات الأيديولوجية: كيف اختطفت الحركة الإسلامية الإرهابية قرار الجيش؟ (١)

إسماعيل هجانة

 

 اسماعيل هجانة 

الحكاية الأعمق من الحرب 

منذ اندلاع شرارة الحرب في 15 أبريل 2023، انصرف التحليل العسكري التقليدي إلى مراقبة تحركات الجيوش على الخرائط، متجاهلاً ما كان يُحاك في الظلام. لكن خلف جدران قاعدة ‘وادي سيدنا’ العسكرية، كانت تُصاغ حقيقة أكثر قتامة: لقد توقفت الحرب عن كونها صراعاً بين مؤسستين عسكريتين، لتتحول إلى ‘مشروع تنظيمي’ محموم يهدف لاستعادة قبضة الحركة الإسلامية على مفاصل الدولة. وفي قلب هذه العمليات، يبرز الفريق أول ركن ياسر العطا ليس كقائد عسكري قومي، بل كمهندسٍ لغرفة عمليات تتجاوز العقيدة الوطنية للجيش السوداني—التي باتت مشكوكاً في قوميتها تاريخياً—لتنحدر بالمؤسسة إلى درك الانحيازات الإثنية والجهوية، متحولةً إلى أداة عنصرية أيديولوجية تخدم مشروع ‘الإخوان المسلمين’ كمنظمة إرهابية، وهو التصنيف الذي بات يضع هذه الممارسات تحت طائلة الرقابة الدولية والملاحقة القانونية.

وادي سيدنا: من “قيادة عسكرية” إلى “مركز ثقل تنظيم”

لقد تجاوزت قاعدة وادي سيدنا بأم درمان كونها حصنًا عسكريًا، لتصبح المركز العصبي الذي تُدار منه الحرب وفق أولويات أيديولوجية واضحة. تشير المعطيات الميدانية إلى أن القاعدة تحوّلت إلى ملاذ آمن ومنطلق لكتائب الحركة الإسلامية، وعلى رأسها كتائب “البراء بن مالك”.

الارتباط بين ياسر العطا وهذه المجموعات يعكس واقع تحالف استراتيجي يحدد “هوية القرار” داخل وادي سيدنا. كان المنتظر من المؤسسة العسكرية أن تظل مظلة قومية جامعة، غير أن ما يتشكل داخل القاعدة يعبّر عن نمط قرار ذي طابع تنظيمي، تتقدم فيه اعتبارات الحركة الإسلامية على أهداف الدولة العليا ومصالح الشعب السوداني.

هذا المسار يمتد جذوره إلى انقلاب 30 يونيو 1989 بقيادة حسن عبد الله الترابي، والذي أدخل البلاد في أزمات عميقة، كان من أبرز نتائجها تفكك الدولة وانفصال الجنوب. وفي الحرب الأخيرة، برزت مؤشرات إضافية على توظيف القاعدة كمركز لإدارة عمليات ذات طابع أيديولوجي واضح.

الأخطر أن الخطاب العلني نفسه قدّم دلائل مباشرة؛ فقد صدرت تصريحات موثقة في وسائل الإعلام تتضمن تسمية قبائل بعينها والتطرق إليها بتفاصيل، وهو ما يفتح الباب لقراءة هذا الخطاب كعامل تغذية للاستقطاب المجتمعي، ويضعه في سياق يثير مخاوف مشروعة بشأن استهداف مجموعات سكانية محددة.

ما يجري في وادي سيدنا يمثل تحولًا بنيويًا في طبيعة القرار العسكري، ويطرح أسئلة حاسمة حول موقع المؤسسة بين منطق الدولة ومنطق التنظيم، وانعكاسات ذلك على مسار الصراع ووحدة المجتمع.

وفي هذا السياق، يبرز صعود ياسر العطا داخل المؤسسة العسكرية، وصولًا إلى موقع رفيع في قيادة العمليات، بما يعكس طبيعة موازين القوة داخل بنية القرار، وتأثير شبكات النفوذ المرتبطة بهذا المسار.

ياسر العطا: القائد الذي اختار “التنظيم” على “الجيش”

تتجلى خطورة دور الفريق ياسر العطا في كونه تحول إلى ‘رأس حربة’ لتنظيم يرفض الانصياع للهياكل القانونية للدولة. لعل الدليل الأبرز على ذلك هو استعصاء دمج كتائب ‘البراء’ وهيئة العمليات داخل القوات المسلحة، رغم صدور قرارات رسمية بحلها ودمجها؛ إذ يكشف رفض العطا تنفيذ هذه القرارات، وحمايته الممنهجة لهذه الكتائب، أنه يمارس سلطته كـ ‘أمير ميداني’ للحركة الإسلامية أكثر منه كقائد عسكري خاضع لتراتبية المؤسسة العسكرية. إنه يدير فعلياً ‘دولة موازية’ داخل الجيش، تمتلك صلاحيات تتجاوز الوحدات النظامية، وتنفذ مهاماً قتالية وأمنية—تصل حد الإعدامات خارج نطاق القضاء—بعيداً عن أي رقابة قانونية.

أبعد من ذلك، يبرز العطا كمسؤول أول عن انتهاكات جسيمة ترقى لمستوى جرائم الحرب؛ ففي الوقت الذي أطلق فيه تهديداته العلنية أمام حشوده بـ ‘استخدام أقصى قدر من القوة المميتة’، لم تكن تلك الكلمات مجرد خطاب تعبوي، بل كانت إيذاناً ببدء استخدام أسلحة محرمة دولياً، بما في ذلك غاز الكلور. وقد وثقت تقارير ميدانية ودولية—وعلى رأسها تقارير حكومية أمريكية—استخدام هذه الأسلحة الكيميائية في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، مؤكدة بما لا يدع مجالاً للشك أن تصريحات العطا كانت الغطاء السياسي والعملياتي لهذا السلوك الإجرامي.

وتحت إدارته المباشرة، انطلقت كتائب ‘البراء’ في حملات ذبح واسعة في ولايتي الجزيرة والخرطوم، مستندة إلى عقيدة إجرامية تكرس ‘قانون الوجوه الغريبة’؛ وهو نهج عنصري يجرم الإنسان ويستبيح دمه بناءً على انتمائه الإثني أو الجهوي، دون أي إجراءات قضائية، حتى الصورية منها. هذه المجازر الممنهجة، التي راح ضحيتها عشرات الآلاف، لا تُعد مجرد انتهاكات حربية، بل هي جرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي ممنهج، يتحمل الفريق ياسر العطا المسؤولية الجنائية الكاملة عنها، بصفتها عمليات نُفذت بتوجيهاته وتحت مظلة سلطته كقائد عسكري مُختطف لصالح أجندة أيديولوجية متطرفة.

ما يحدث داخل وادي سيدنا لم يعد مجرد إدارة لمعركة عسكرية، إعادة تشكيل لهوية القرار نفسه من يملكه، ولصالح من يُمارس. حين تتحول القاعدة من موقع عمليات إلى مركز ثقل أيديولوجي للمتطرفين والإرهابيين، تتغير طبيعة الحرب، وتتبدل قواعدها، ويصبح الصراع أعمق من كونه مواجهة ميدانية. السؤال لم يعد: من يتقدم على الأرض؟ من يحدد اتجاه الحرب أصلًا؟ وهنا تبدأ القصة الحقيقية. في الجزء القادم، سننتقل من الهيكلة إلى الميدان: كيف تُترجم هذه المنظومة إلى ممارسات فعلية، وكيف يتحول القرار… إلى واقع يُدفع ثمنه دمًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!