رأي

⚖️ كيزان السجم وتلطيخ اليدين بالدماء… ادعاء الإنسانية المزيفة يكشف وجه القهر

سهيبة مريش من نيالا

 سهيبة مريش من نيالا البحير 

في زمنٍ تختلط فيه الحقيقة بالأكاذيب، وتُستبدل المآسي بمسرحيات تضليلية، يظهر الوجه الحقيقي لمن اعتادوا على إدارة البلاد بالحديد والرصاص. لقد أبانت وقائع الأيام الأخيرة، عقب تحرير الفاشر، ما كان بعض طيفٍ من القوى السياسية والعسكرية يحاول ستره طويلاً: أن ادعاءات الإنسانية ليست سوى قناعٍ شفاف يختبئ خلفه تاريخٌ من القمع والدماء.

لم تكن الفاشر مجرد ساحة معركة عابرة؛ بل كانت تجربةً ماثلة تكشف عن منطقٍ متوحشٍ في إدارة السلطة، يحوّل المدنيين إلى أهدافٍ ومخازنٍ للمآسي، ويحوّل المدارس والمستشفيات إلى ثكناتٍ وملاذاتٍ للقاتل. وفي مقابل ذلك، بدا مشهدٌ آخر: أيادٍ تمتدُّ للعون والإنقاذ، ووجوهٌ تحمل شهاداتِ من عاشوا الحصار، لتفضح الدعاية وتفضح ادعاء “الدفاع عن الإنسانية” الذي يرفعه من لا يعرف للإنسانية معنىً سوى امتطاء الجثث والتنكيل بالأبرياء.

الزيف الذي تمارسه بقايا منظومةٍ أعتادت على نهب الدولة واستغلال مؤسساتها جاء في توقيتٍ باتت فيه الحقائق أقوى من كل أدوات التزييف. خطابٌ يندّد به أصحابه بالإنسانية في الوقت الذي تسيل أيديهم بدماء المزارعين والنساء والأطفال، لا يمكن أن يُمرَّ مرور الكرام؛ فالذاكرة الجماعية لا تُمحى، والشهود لا يكذبون، والصور التي وثقت الجرائم تشهد على أن هؤلاء لا يصلحون حتى لنطق كلمة “إنسانية” دون أن يُفضحوا تلوُّثَ ألسنتهم وجِلدِهم.

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس مجرد التكاذب الإعلامي، بل محاولةُ إعادة إنتاجِ منظوماتٍ سياسية واجتماعية تبرر الاستبداد باسم الاستقرار، وتشرعن القتل باسم الأمن. تلك العملية لا تستهدف فقط أهل الفاشر أو دارفور، بل تهدد نسيج السودان بأسره؛ إذ أن ترويج الأكاذيب وإعادة رسم خرائط العداء بين المكونات المجتمعية تُضعف الثقة بين الجماعات، وتغذي الكراهية التي تُنسلخ منها أي فرصة حقيقية للصلح أو التعايش.

ولذلك، على المجتمع الدولي ومؤسساته الإنسانية أن يتعاملوا مع هذه الفترة بحساسيةٍ ومسؤولية، لا بصيغةٍ تتيح لمجرمين تلوين تاريخهم الأسود أمام المحافل الدولية. المطلوب ليس مجرد بيانات إدانة سطحية، بل إجراءات تحقيقٍ ومساءلةٍ حقيقية تكشف الشبكات التي ارتكبت الجرائم، وتقطع دابر المتاجرة بالدم البشري واستغلال المعاناة كبضاعة سياسية.

الإنسانية الحقيقية لا تُدّعى بالكلام الرنان. إنها تُمارَسُ بالشفافية، وبالالتزام بقواعد حماية المدنيين، وبفتح ممراتٍ آمنةٍ للوصول إلى المحتاجين، وبمحاسبة من أساء للمدنية واعتدى على حقوق الناس. من يدّعون أنهم يدافعون عن حقوق الإنسان بينما يشرعون قوانينَ وتدابيرَ تُنزع الحقوق من الناس، لا يستحقون إلا الرفض والادانة.

إن شعب السودان، الذي تحمل كثيرًا من القبائل والمجتمعات على مدى عقودٍ من الظلم والتهميش والمذابح، اليوم أكثر وعيًا مما قبل. لم يعد يقبل بالأقنعة ولا بالأناشيد المزورة التي ترفعها أجهزةٌ مأزومة لا تعرف للضمير طريقًا. الوعي الشعبي الذي تجلّى في الميادين والقرى، وفي شهادات الناجين، هو أداةٌ ستُلزم كل من تسول له نفسه الاستمرار في تلوين الجرائم بعباءاتٍ إنسانية، بأن يكفّ أذاه أو يُحاسَب قانونيًا وأخلاقيًا.

وختامًا: لا يكفي أن نندّد؛ بل يجب أن نبني مؤسسات عدالةٍ انتقاليةٍ وحقوقيةٍ تُعيد الحقوق لضحاياها، وتعمل على إصلاحٍ يقطع جذور الفساد والتطرف. علينا جميعًا – مؤسساتٍ دولية ومحلية، وفعاليات مجتمع مدني وصحافيون وقيادات مجتمعية – أن نعمل على ترسيخ قيم العدالة والمساواة والتعايش. لأن أي محاولة لإعادة إنتاج منظومة تستمد شرعيتها من الدم لن تجلب إلا المزيد من الخراب. ولئن طال الزمن، فإن قلمنا طويل ورجلنا ماشية؛ نتابع الحق ونطالب بمحاكمة كل من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!