
الخبير الأمني د. مجدي شريف
تحوّلت مدينة الأبيض، التي كانت يومًا فضاءً للهدوء والتعايش، إلى ساحة تتكثف فيها ممارسات أمنية منفلتة تفتقر إلى الحد الأدنى من الضبط القانوني. المدينة التي كانت تحجز مكانًا خاصًا في ذاكرة كثيرين أصبحت اليوم عنوانًا للانتهاكات التي تتعرض لها عشرات النساء اللاتي وجدن أنفسهن في قلب صراع لا صلة لهن به، يدفعن فيه أثمانًا لا يحتملها بشر.
التقرير الحقوقي الصادر مؤخرًا كشف عن اعتقال ٥٦ امرأة سودانية داخل سجن الأبيض، بتُهم فضفاضة أبرزها “التعاون مع الدعم السريع”، إضافة إلى تسع تهم جنائية أخرى. جميع المعتقلات تقريبًا في مقتبل العمر، لا يتجاوزن العشرين عامًا، ونُقلت شهادات واضحة عن تعرض عدد منهن للاستغلال الجنسي والتحرش من طرفي النزاع قبل اعتقالهن. وفي لحظة كان يفترض فيها أن تتحول الأبيض إلى ملجأ آمن لهن بعد النزوح من مناطق الحرب، تحولت إلى دائرة أمنية مغلقة، تحكمها خلايا تتبع لتنظيم الإخوان المسلمين، وتستخدم أدوات القمع والابتزاز بدلًا من تطبيق القانون.
أصبحت بلاغات “التعاون” الأكثر تداولًا داخل المدينة، وتحولت إلى مدخل لإدانة النساء بمعايير لا علاقة لها بالتحري الجنائي السليم. المحامون – بمن فيهم المنتمون للحركة الإسلامية – اضطروا للدخول في هذه القضايا بعد أن طالت الاتهامات أسرهم وأقاربهم، في ظل بيئة مشحونة تُدار فيها الملفات القضائية عبر مساومات واتفاقات خفية بين الخلايا الأمنية وبعض المحامين، يقوم فيها الأمن بتقديم بينات ضعيفة مقابل صفقات مالية.
وما يسمّى بنظام “الدرونات” مثّل الحلقة الأخطر في هذا المشهد. فالرشاوى التي تُدفع لإطلاق سراح المتهمين، سواء أثناء التحري أو خلال المحاكمة، بلغت أرقامًا فلكية وصلت إلى ١٥–٢٠ مليون جنيه، تُدار عبر وسطاء معروفين يشكلون واجهات مالية لخلايا أمنية تقتات من معاناة النساء. هذا السلوك لا يعبّر فقط عن فساد فردي، بل عن اقتصاد ظل أمني يستثمر في الاتهامات الجائرة، ويحوّل مؤسسات العدالة إلى سوق مفتوحة للبيع والشراء.
النماذج الواردة في التقرير تؤكد فداحة الانتهاكات. فهناك فتاة قاصر طُردت من منزل أسرتها، واستغلها أحد الأفراد جنسيًا إلى أن حملت منه، ثم انتهى بها المطاف محكومة بالجلد والغرامة وطفلتها الرضيعة مفصولة عنها. وأخرى أُخرجت كل صورها من هاتفها منذ ٢٠١٨ لإيجاد “قرينة” تُبرر اعتقالها، وحين امتنعت عن الاستجابة لتحرش أحد الضباط تعرضت للضرب حتى النزيف. وسواهما محتجزات تحت مواد ٥٠، ٥١، ٦٥ و١٨٦، وهي مواد تُستخدم هنا خارج سياقها القانوني، لإضفاء شرعية على الاحتجاز التعسفي دون ضمانات قضائية حقيقية.
من منظور أمني، هذه الممارسات لا تحقق الاستقرار، بل تهدم أعمدة الأمن المجتمعي. تعذيب النساء، وابتزاز أسرهن، واستخدام الاتهامات كوسيلة للضغط المالي، يخلق بيئة قابلة للانفجار، ويضاعف مشاعر الاحتقان والكراهية، ويغذي حالة الفوبيا الأمنية التي تشلّ عمل المؤسسات الرسمية. الأمن الحقيقي لا يُبنى على إذلال المواطن ولا على تحويل النساء إلى أدوات للمساومة، بل على الثقة بين المجتمع والدولة. وكل جهاز أمني يفقد هذه الثقة يفقد شرعيته، مهما امتلك من القوة.
كما أن هذه الانتهاكات تمثل مخالفة صارخة للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر الاعتقال التعسفي والعنف الجنسي وإساءة المعاملة، وتتناقض مع نصوص القانون الجنائي السوداني الذي يجرّم التعذيب والإكراه والرشى. وهي فوق ذلك كله تخالف مبادئ الشرائع السماوية التي تحرم ظلم الإنسان وانتهاك عرضه وابتزاز ضعفه. إن الخلايا الأمنية التي تتبع لمنظمة الإخوان المسلمين، بممارساتها هذه، لا تخرق القانون فحسب، بل تخرق ناموس الإنسانية ذاته.
الأخطر أن الذين يتكسبون من هذه المأساة – سواء كانوا رجال أمن، أو وسطاء، أو محامين متورطين – يمثلون المهدد الأمني الأكثر خطورة. فوجود شبكات فساد تعمل داخل مؤسسات يفترض أن تحمي الدولة يفتح الباب لتفكك بنية الأمن نفسها، ويحوّل السلطة إلى أداة في يد مجموعات لا تخضع للرقابة ولا تحترم القانون.
إن ما يحدث في الأبيض ليس قضية محلية معزولة، بل ملف يجب أن يُوضع أمام منظمات حقوق الإنسان الدولية لفتح تحقيق عاجل وشامل، يحدد المسؤولين، ويوثق الانتهاكات، ويمهد لمحاسبة عادلة. كما ينبغي للمنظمات القانونية والنسوية داخل السودان القيام بدورها في رصد هذه الممارسات ومخاطبة الجهات الأممية فورًا، حماية للنساء ومنعًا لتكرار هذه الجرائم.
هذه المأساة تعكس الوجه الحقيقي للحرب العبثية التي مزقت السودان، وحولت النساء الناجيات من جحيم المعارك إلى ضحايا لسلطات أمنية منفلتة. الدفاع عنهن اليوم هو دفاع عن ما تبقى من كرامة إنسانية، وعن مستقبل أمن لا يكون فيه المواطن سلعة، ولا يتحول فيه القانون إلى فخّ، ولا تصبح فيه الدولة رهينة خلايا تعمل خارج سيادتها.
هذه الانتهاكات لن تجلب الأمن. بل تُنذر بنتائج كارثية قريبة، إن لم تُواجه بالحسم والمحاسبة، وبإعادة بناء منظومة أمنية تحترم الإنسان قبل كل شيء.




