
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
تكشف وثائق مسجلة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (Foreign Agents Registration Act) أن سفارة السودان في واشنطن وقّعت، في 6 يناير 2025، عقداً مع شركة The William Group، التي يديرها مايكل ويليامز، وهو مصرفي سابق شغل مناصب تنفيذية في بنك Credit Suisse، وله خبرة سابقة في العمل داخل دوائر مرتبطة بإدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وذلك بقيمة 60 ألف دولار شهرياً، بإجمالي سنوي يبلغ 720 ألف دولار، بتوقيع السفير محمد عبد الله إدريس، سفير السودان في واشنطن.
يتضمن العقد أنشطة ضغط سياسي تشمل المشورة الاستراتيجية، والتواصل مع الإدارة الأمريكية، وفتح قنوات مع الكونغرس الأمريكي ومراكز الأبحاث.
من الناحية القانونية، تخضع مثل هذه التعاقدات للأطر المنظمة للعمل الدبلوماسي واللوائح ذات الصلة.
لكن في سياق السودان اليوم، يصبح التعامل مع هذا الرقم خارج حدود النص القانوني، إلى مساحة السؤال الأخلاقي والسياسي حول الأولويات.
في بلد تتسع فيه رقعة النزوح، وتنهار فيه الخدمات الأساسية، ويعتمد فيه ملايين المواطنين على المساعدات الإنسانية، لا يعود الإنفاق العام تفصيلاً إدارياً. بل يتحول إلى اختبار مباشر للأولويات.
ستون ألف دولار شهرياً ليست رقماً صغيراً في اقتصاد ينهكه النزاع. هي موارد كان يمكن أن تُترجم إلى دعم غذائي أو صحي أو إسناد مباشر لأسر فقدت مصادر دخلها بالكامل. لكنها تُوجَّه بدلاً من ذلك إلى معركة إدارة الصورة.
وفي سياق أوسع، تشير تقارير ودراسات متخصصة إلى وجود فجوة كبيرة بين إنتاج الذهب في السودان وعائداته الرسمية، حيث تُقدَّر نسب معتبرة من الإنتاج بأنها تخرج عبر مسارات خارج القنوات الرسمية، في ظل تعقيدات الحرب وتعدد مراكز السيطرة وضعف الرقابة على سلاسل التصدير. هذا الفاقد، الذي يُنظر إليه كأحد أبرز مظاهر النزيف الاقتصادي، يُقدَّر بمليارات الدولارات، ويطرح أسئلة متجددة حول إدارة أحد أهم موارد البلاد.
وفي المقابل، يتجه جزء من الموارد الرسمية إلى إنفاق خارجي على شركات علاقات عامة وضغط سياسي في الخارج، بهدف إدارة صورة السودان في دوائر صنع القرار الدولية. هذا التوازي بين نزيف داخلي في الموارد، وإنفاق خارجي على تحسين الصورة، يفتح مساحة سؤال أوسع حول الأولويات الاقتصادية والسياسية في ظل الحرب: هل تُوجَّه الموارد لمعالجة جذور الأزمة، أم لإدارة انعكاساتها في الخارج؟
وهنا لا ينفصل القرار عن السياق الأوسع للحرب. فالدبلوماسية في هذه الحالة لا تعمل في فراغ، بل داخل بيئة تتداخل فيها السياسة بالأمن والموارد والنفوذ، حيث أصبحت الثروات—وفي مقدمتها الذهب—جزءاً من معادلة الصراع واستمراره.
في هذا السياق، يبرز سؤال أكثر حساسية يتجاوز مسألة التعاقد نفسه، إلى طبيعة الدور الذي تلعبه شركات الضغط والعلاقات العامة في النزاعات المعقدة. هذه الشركات لا تُغيّر الواقع الميداني للحرب، لكنها تؤثر في كيفية تقديمه وتفسيره في دوائر القرار والإعلام.
من خلال اختيار الزوايا التي تُبرز، واللغة المستخدمة في توصيف الصراع، والملفات المطروحة أمام صناع القرار، يمكن أن تتشكل “سردية بديلة” تختلف عن الواقع الذي يعيشه المتأثرون المباشرون بالحرب.
وبينما يُعرض الصراع في الخارج كملف سياسي أو إنساني قابل للإدارة، يبقى في الداخل واقعاً أكثر تعقيداً ووطأة، ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول الفجوة بين “سردية الأزمة” و”الأزمة نفسها”، ومن يملك حق تعريفها في الفضاء الدولي.
في هذا الإطار، يطرح السؤال نفسه: هل تُستخدم أدوات الدبلوماسية فقط لتحسين قنوات التواصل الخارجي، أم أنها أيضاً تدخل في إدارة صورة صراع لم تُحسم موازينه بعد؟
الدبلوماسية، في جوهرها، يفترض أن تكون امتداداً لصوت الشعب. لكنها في لحظات الانقسام الحاد قد تتحول، دون إعلان مباشر، إلى أداة لإعادة صياغة الرواية أكثر من نقل الواقع.
وعندما تُوجَّه موارد بهذا الحجم للتأثير على دوائر صنع القرار في واشنطن، فإن المسألة لا تتعلق فقط برغبة في الوصول، بل تفتح سؤالاً أعمق حول طبيعة الصورة التي يتم تصديرها:
أي سودان يُقدَّم هناك؟
سودان يسعى للسلام والاستقرار وإنهاء الحرب؟
أم سودان تُعاد صياغته وفق حسابات القوة والموارد وتوازنات الصراع؟
هذا ليس استنتاجاً نهائياً بقدر ما هو قراءة لواقع شديد التعقيد.
وفي النهاية، تظل الحقيقة على الأرض أكثر حضوراً من أي رواية تُصاغ عنها. فالأرض نفسها، ومن يعيش تفاصيلها اليومية، يمتلك من الوعي والخبرة ما يجعله قادراً على تمييز الفارق بين ما يُقال وما يُعاش، مهما تعددت الروايات وتباينت مصادرها.




