اخبار

شمال كردفان تحت النار.. اتهامات تهزّ الضمير العالمي: نهبٌ ممنهج واعتداءات على المدنيين (الشنابلة ) باسم الحرب

التنوير تقرير القسم السياسي 

 

 

التنوير تقرير القسم السياسي 

تتسارع وتيرة الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه في عدد من مناطق شمال كردفان، وسط روايات متطابقة تتحدث عن انتهاكات واسعة طالت المدنيين العزل، وشملت النهب والسلب والاعتداءات الجسدية والترويع الجماعي، في مشهد يثير قلقاً بالغاً بشأن اتساع دائرة الحرب وانتقالها من خطوط المواجهة العسكرية إلى عمق المجتمعات المحلية.

وتحوّلت مناطق كازقيل وأم روابة وما جاورهما خلال الأيام الماضية إلى بؤرة توتر ساخنة، بعد تداول شهادات من أبناء المنطقة تحدثت عن عمليات اقتحام استهدفت فرقاناً ومناطق رعوية، أعقبت خسائر ميدانية تعرضت لها القوات الحكومية والمجموعات المساندة لها في مواجهات شهدتها كازقيل وحمادي وعلوبة دبيكر.

وبينما تتزايد هذه الروايات، ترتفع المخاوف من أن تتحول الحرب إلى أداة انتقام جماعي ضد السكان المدنيين، خصوصاً في البيئات الريفية التي تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وضعف الخدمات وانعدام الحماية القانونية.

اتهامات من كازقيل.. غضب شعبي ومطالب بالمحاسبة

بحسب إفادات متداولة من أبناء الشنابلة داخل منطقة كازقيل، فإن قوات تتبع للجيش والشرطة إلى جانب مجموعات قبلية مسلحة تقاتل معه، شنت اعتداءات على فرقان تتبع لقرى أم روابة الواقعة تحت سيطرة الجيش.

وتشير هذه الإفادات إلى أن الهجمات لم تقتصر على المداهمات الأمنية، بل شملت نهب الأموال والممتلكات والاستيلاء على أعداد من الأبقار والجمال، إضافة إلى الاعتداء على نساء مدنيات بالضرب والانتهاكات المهينة، في أحداث أثارت حالة من الغضب الواسع وسط الأهالي.

وطالب سكان محليون بفتح تحقيق عاجل وشفاف، وتحديد المسؤولين عن تلك الوقائع، محذرين من أن تجاهل ما جرى قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي جديد في منطقة تعاني أصلاً من آثار الحرب والانقسام.

ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس نمطاً خطيراً يتمثل في معاقبة المجتمعات المحلية بعد أي انتكاسة عسكرية، عبر تحويل المدنيين إلى أهداف سهلة تُحمّل تبعات الصراع دون ذنب مباشر.

نهب الرُحّل.. حين تتحول القوة النظامية إلى مصدر خوف

وفي رواية أخرى لا تقل خطورة، تحدثت أسر بدوية رحّل في شمال كردفان عن تعرضها لهجوم من قوة مشتركة من الجيش والشرطة، قالت إنه أسفر عن نهب ما يقارب ثلاثين مليون جنيه، ونصف كيلوغرام من الذهب، إضافة إلى 185 رأساً من الإبل ونحو 230 رأساً من الضأن والماعز.

ووفقاً للإفادات المتداولة، فإن العملية لم تكن حادثاً فردياً عابراً، بل تمت بصورة منظمة وتحت السلاح، وشملت اعتقال رجال الأسرة والاعتداء على النساء بالضرب بالسياط، في مشاهد وُصفت بأنها صادمة ومهينة.

الأخطر في هذه الاتهامات أن الضحايا يؤكدون عدم وجود بلاغات جنائية ضدهم، ما يعني – إذا ثبتت الوقائع – أن ما جرى يخرج من إطار الإجراءات القانونية إلى دائرة السلب القسري والاعتداء المباشر على المدنيين.

كما تحدثت الإفادات عن امتناع جهات عدلية وشرطية عن فتح بلاغات أو زيارة موقع الحادثة، رغم توفر أسماء القوة المنفذة وشهادات الشهود، الأمر الذي يضاعف المخاوف من اتساع ظاهرة الإفلات من العقاب.

 

أحمد الطيب: ما يحدث جريمة ضد المدنيين وخرق للقانون الدولي الإنساني

وفي تعليق قانوني على هذه الوقائع، قال القانوني أحمد الطيب إن ما حدث يمثل جريمة مكتملة الأركان ضد المدنيين، وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، الذي يجرّم استهداف السكان غير المشاركين في القتال، ويحظر النهب الجماعي والمعاملة المهينة والعقوبات الانتقامية.

وأضاف أن الجيش والكتائب والمليشيات المساندة له ظلت – بحسب ما يتوفر من تقارير وشهادات – ترتكب فظائع واسعة في حق المدنيين، ترقى في بعض صورها إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاصة عندما تتم بصورة متكررة ومنهجية وعلى أساس انتقائي مرتبط بالهوية والانتماء الاجتماعي.

وأوضح أن أخطر ما في هذه الانتهاكات هو استهداف المجتمعات المحلية بحجة أنها تمثل حواضن اجتماعية لقوات الدعم السريع، معتبراً أن هذا المنطق يمثل انزلاقاً بالغ الخطورة، لأنه يحوّل الانتماء الجغرافي أو القبلي إلى سبب للعقاب الجماعي.

وأكد أحمد الطيب أن استمرار هذا المسار يستدعي دق ناقوس الخطر، وتنبيه الأسرة الدولية والمنظمات العدلية الدولية إلى ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة لوقف الجرائم الجارية، وضمان عدم إفلات المتورطين من المساءلة.

 

جرائم على أساس الهوية.. ومستقبل مهدد بالانفجار

يرى متابعون أن أخطر ما يميز هذه المرحلة ليس فقط حجم الانتهاكات، بل طبيعتها الانتقائية، حيث يجري – بحسب الاتهامات استهداف مجموعات سكانية بعينها استناداً إلى الشبهة أو الخلفية الاجتماعية أو مناطق الإقامة.

هذا النمط، إذا تُرك دون ردع، قد يقود إلى تمزيق النسيج الاجتماعي بصورة يصعب ترميمها لاحقاً، لأن آثار الحرب العسكرية يمكن أن تتوقف، أما آثار الاستهداف الأهلي والوصم الجماعي فتمتد لعقود طويلة.

كما أن استخدام الحرب غطاءً للنهب ومصادرة الممتلكات وترويع النساء والأطفال، يخلق بيئة خصبة للكراهية والثأر والانفلات، ويقوّض أي فرصة مستقبلية لبناء سلام حقيقي قائم على العدالة والثقة.

إن ما يجري في شمال كردفان لم يعد مجرد حوادث متناثرة، بل مؤشرات متراكمة على أزمة أعمق تتعلق بطبيعة إدارة الحرب وحدود استخدام القوة ومصير المدنيين العالقين بين البنادق.

نداء عاجل للمجتمع الدولي

في ظل تصاعد هذه الاتهامات، تتجه الأنظار إلى المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والآليات العدلية المختصة، من أجل التحرك العاجل لرصد الانتهاكات وتوثيقها والضغط من أجل حماية المدنيين.

فالصمت أمام الجرائم لا يوقفها، بل يمنحها شرعية ضمنية، ويشجع على تكرارها في مناطق أخرى. كما أن غياب المحاسبة يفتح الباب واسعاً أمام مزيد من الفوضى والانهيار.

وتبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً أن المدنيين  من رعاة ومزارعين ونساء وأطفال هم من يدفعون الثمن الأكبر لحرب لم يختاروها، بينما تتسع المقابر، وتفرغ القرى، وتُنهب الموارد، وتُترك العدالة خلف المتاريس.

ما يحدث اليوم في شمال كردفان يجب ألا يُقرأ كخبر عابر، بل كإنذار أخير: إما حماية المدنيين الآن، أو ترك البلاد تنزلق إلى مرحلة أشد قسوة ووحشية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!