رأي

عندما يخون القلم… تُقتل الأمم

عابدة مختار

 

عابدة مختار

ليست الحروب مجرد مواجهات عسكرية تُحسم في ميادين القتال، بل تبدأ في كثير من الأحيان بالكلمة، وتُدار بالرواية، وتُحسم في العقول قبل أن تُحسم في الميدان. فمن يخطط للحرب يحتاج دائماً إلى من يهيئ لها المناخ، ومن يدق طبولها، ومن يصنع لها المبررات، وهنا تتجلى خطورة الإعلام عندما يتحول من سلطة للحقيقة إلى أداة للتضليل وصناعة الأوهام.

ولعل حرب العراق كانت واحدة من أبرز النماذج التي كشفت كيف يمكن للإعلام أن يصبح شريكاً في صناعة الحروب، بعدما لعب دوراً محورياً في تسويق الروايات التي مهدت للتدخل العسكري، قبل أن تتكشف لاحقاً حقائق قلبت كثيراً من المسلمات التي رُوج لها آنذاك.

واليوم، يعيد السودان إنتاج المشهد ذاته بصورة مختلفة. فمنذ اندلاع الحرب، سخرت الحركة الإسلامية، وفق هذا الطرح، إمكاناتها السياسية والإعلامية والمالية لتعبئة غرف إعلامية واسعة، وجندت آلاف الإعلاميين والناشطين، ووفرت لهم دعماً غير محدود داخل البلاد وخارجها، بهدف صناعة خطاب إعلامي يخدم مشروعها السياسي ويعيد تشكيل وعي الرأي العام.

وقد انصب هذا الخطاب على استهداف قوات الدعم السريع بحملات تشويه واسعة، استخدمت فيها مختلف وسائل الدعاية والتحريض، وتجاوزت حدود الخصومة السياسية إلى المساس بالأعراض والأنساب والهوية، في محاولة لنزع الشرعية عن طرف يمثل جزءاً أصيلاً من معادلة الصراع السوداني.

لقد استولت الحركة الإسلامية على المؤسسة العسكرية، وقيدت قرارها السياسي والعسكري، وأدخلت الجيش في حرب كانت نتائجها كارثية على السودان، بينما ظلت الآلة الإعلامية تبرر الحرب، وتصورها باعتبارها الخيار الوحيد، في وقت كانت فيه فرص الحلول السياسية تتراجع يوماً بعد آخر.

ولم تتوقف حملات التحريض عند حدود الخطاب السياسي، بل امتدت  إلى تصوير قطاعات من السودانيين على أنهم غرباء في وطنهم، وتبرير ملاحقتهم واعتقالهم، وارتكاب انتهاكات جسيمة بحقهم، في ممارسات لا تشبه تاريخ السودانيين ولا قيمهم القائمة على التعايش والتسامح.

إن أخطر ما أنتجته هذه الحرب لم يكن السلاح وحده، وإنما الإعلام الأسود الذي امتهن صناعة الأكاذيب، وتزييف الوقائع، وتغييب الحقيقة، وتحويل الكذب إلى وسيلة لإدارة الصراع وكسب المعارك السياسية، حتى أصبح التضليل أحد أخطر أسلحة الحرب.

لقد جاءت هذه الحرب، وفق هذا المنظور، نتيجة للإصرار على الاحتفاظ بالسلطة ورفض الانتقال المدني بعد تعثر الاتفاق الإطاري، فكان الثمن انهيار الدولة وتشريد الملايين وتمزيق النسيج الاجتماعي، بينما ظل الخطاب الإعلامي يواصل تسويق الروايات ذاتها، ويغلفها بشعارات دينية وسياسية لتبرير استمرار الحرب.

وباسم الدين رفعت شعارات كثيرة، لكن الواقع كشف أن الصراع كان على السلطة والنفوذ، حتى أصبح قتل السودانيين وتهجيرهم ثمناً مقبولاً في سبيل المحافظة على الحكم، بينما دفعت البلاد أثماناً باهظة من دماء أبنائها ومستقبل أجيالها.

وعلى امتداد أربعة أعوام، ظل المواطن السوداني يرزح تحت وطأة الحرب، والانهيار الاقتصادي، وغلاء المعيشة، وانعدام الأمن، بينما استمرت شبكات المصالح في إدارة الاقتصاد وجني الأرباح، غير عابئة بمعاناة المواطنين الذين فقدوا الأمن والاستقرار وسبل العيش الكريم.

وفي المقابل، واصلت غرف الإعلام الموجه عملها في تحسين صورة طرف، وتشويه صورة آخر، مستخدمة أقلاماً باعت ضميرها المهني، ووجهت كتاباتها وفق أجندات سياسية، بعيداً عن قيم الصحافة ورسالتها الأخلاقية في نقل الحقيقة والدفاع عن مصالح الشعوب.

لكن الحقيقة، مهما طال الزمن، لا يمكن أن تبقى رهينة التضليل. فالتاريخ أثبت أن الأكاذيب قد تصمد لبعض الوقت، لكنها لا تنتصر على الوقائع، وأن الشعوب قادرة في نهاية المطاف على التمييز بين الإعلام الذي يخدم الوطن، والإعلام الذي يخدم أصحاب المصالح.

ومن هذا المنطلق، فإن الفريق أول محمد حمدان دقلو يمثل، في هذا التصور، القائد الذي انحاز منذ اللحظة الأولى إلى خيار التغيير، ووقف إلى جانب مطالب قطاعات واسعة من السودانيين، وخاض معركة سياسية وعسكرية من أجل إنهاء ما يصفه أنصاره بسيطرة الحركة الإسلامية على الدولة، والعمل على تأسيس نظام حكم جديد يقوم على الشراكة والعدالة والتحول الديمقراطي.

إن السودان في حاجة إلى مشروع وطني جديد، يتجاوز الكراهية والتمييز والعنصرية والجهوية، ويؤسس لدولة المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة، والسلام، حتى يجد كل سوداني مكانه في وطن يتسع للجميع، وتُطوى فيه صفحات الماضي المثقلة بالصراعات والانقسامات.

ولي عودة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!