
نجوي بابو
في المجتمعات التي تشكّلت على تماسٍ مباشر مع الطبيعة، لم تكن مفردات الحياة اليومية بريئة من المعنى. الطُعم والشرك ليس مجرد أداتين للصيد، بل اختزال مكثّف لعلاقة معقّدة بين الرغبة والخداع، بين الحرية والوهم. وما يبدو في ظاهره حيلةً لاصطياد السمك أو الطير، يتحول حين يُنقل إلى الحقل السياسي إلى نموذجٍ يفسّر كثيراً من آليات السلطة وإدارة الجماهير.
الطُعم، في جوهره، لا يفرض نفسه بالقوة. إنه عرضٌ يتماهى مع رغبة الكائن، يخاطب جوعه، ويستثمر في حاجته. السمكة لا تُجبر على الاقتراب؛ هي تختار، لكنها تختار داخل أفقٍ صُمّم بعناية. وهنا تتجلى المفارقة الأولى: الإخضاع لا يتم دائماً عبر القسر، بل كثيراً ما يتحقق عبر الإقناع المغلّف بالإغراء. في هذا المعنى، يصبح الطُعم استعارة دقيقة للوعود السياسية التي تُصاغ لتبدو استجابةً لمطالب الناس، بينما هي في أحيان كثيرة مدخل لإعادة تشكيل سلوكهم وتوجيه خياراتهم.
أما الشَّرَك، فيمثّل انتقالاً من استهداف الفرد إلى احتواء الجماعة. إنه ليس لحظة قرار معزولة، بل بنية متكاملة تُحكم فيها المسارات وتُضبط فيها الاحتمالات. وإذا كانت السنارة تفترض خطأً فردياً، فإن الشَّرَك يفترض نظاماً يجعل الوقوع فيه أقرب إلى الحتمية. وفي السياسة، يتجسد ذلك في الشبكات المعقدة من المصالح، والخطابات، والتحالفات التي تُحيط بالإنسان، فتحدّ من قدرته على الفعل الحر دون أن تلغيه ظاهرياً.
غير أن أخطر ما في هذه المنظومة ليس وضوحها، بل قدرتها على التخفي. فالطُعم ينجح لأنه يبدو طبيعياً، بل مرغوباً. والشَّرَك ينجح لأنه لا يُرى كقيد، بل كجزء من البيئة. وهكذا، تتحول الحرية إلى تجربة ملتبسة: يشعر الإنسان بأنه يختار، بينما هو يتحرك داخل فضاءٍ محدد سلفاً. ليست المشكلة، إذن، في غياب الخيارات، بل في طبيعة الخيارات نفسها.
وفي التجربة السياسية السودانية، تتجلى هذه الإشكالية في تحولات معقدة لقيادات من الهامش دخلت فضاءات السلطة عبر اتفاقيات وتسويات وتحالفات، مثل اتفاق جوبا للسلام وما تلاه من ترتيبات سياسية. كما برزت أسئلة مشابهة في سياق التغيرات الحادة التي أعقبت انقلاب 25 أكتوبر 2021، حيث أعادت مراكز القوة تشكيل تحالفاتها وحدود مشاركتها، بما جعل الفاصل بين التمثيل والاحتواء أكثر ضبابية.
في هذا السياق، يمكن قراءة مسارات شخصيات سياسيّة وقيادات أهليّة بوصفها تعبيراً عن تعقيدات العلاقة بين الهامش والمركز، حيث لا تكون الخيارات دائماً بين الصواب والخطأ، بل بين الممكن والمفروض داخل بنية سياسية غير متكافئة.
ومع ذلك، فإن اختزال الواقع في ثنائية خادع ومخدوع يبقى تبسيطاً مخلّاً. فالتاريخ يُظهر أن الوعي قادر ولو ببطء على تفكيك هذه الآليات. الوعي لا يُلغي الطُعم، لكنه يكشفه. ولا يُحطم الشَّرَك، لكنه يوسّع هامش الحركة داخله. إنه، بتعبير أدق، يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والسلطة: من خضوعٍ غير مرئي إلى إدراكٍ نقدي.
وفي هذا السياق، لا يبدو السؤال عن من أكل الطُعم كافياً لفهم المشهد السياسي، لأن الطُعم ليس حدثاً عارضاً، بل جزءاً من منطق أعمق يعيد تشكيل الفعل السياسي ذاته.
في العمق الفلسفي للسياسة، لا يعود الطُعم مجرد أداة خداع، بل يتحول إلى بنية إدراكية تُعاد عبرها صياغة علاقة الإنسان بالسلطة والاختيار. فالدولة، أو مراكز القوة عموماً، لا تعمل فقط عبر الإكراه المباشر، بل عبر هندسة الرغبة نفسها: تحديد ما يبدو ممكناً، وما يُقدَّم كفرصة، وما يُعاد تعريفه كنجاح أو فشل. هنا تتلاشى الحدود الصارمة بين الفاعل والمفعول به، لأن الفعل السياسي لا يتم في فراغ، بل داخل شبكة كثيفة من الإغراءات والقيود الرمزية والمادية. لذلك، فإن السؤال عن من أكل الطُعم يفقد دقته إذا لم يُصَغْ بطريقة أعمق: من الذي يصوغ الطُعم أصلاً، ولأي غاية، وكيف يُعاد إنتاج القابلية له داخل الوعي الجمعي؟ في هذا المستوى، تصبح السياسة أقل شبهاً بساحة صراع بين أفراد، وأكثر شبهاً بنظام يعيد تشكيل اللاعبين أنفسهم أثناء اللعب، بحيث لا يعود الانتصار أو السقوط حدثاً فردياً خالصاً، بل نتيجة تفاعل مع بنية أوسع من الإرادة والضرورة.
وفي الحالة السودانية تحديداً، لا يمكن فهم الطُعم والشَّرَك بوصفهما استعارة سياسية فقط، بل كجزء من تاريخ طويل من إعادة إنتاج السلطة عبر التحالفات المتبدلة، والوعود المؤجلة، وتسويات تُبنى فوق أرضٍ ما زالت تبحث عن استقرارها. فالهامش، الذي دخل في لحظات مختلفة إلى مركز الفعل السياسي، لم يكن دائماً خارج معادلة الإغراء، كما أن المركز نفسه لم يكن دائماً في موقع السيطرة المطلقة. وبين هذا وذاك، تتشكل منطقة رمادية تتداخل فيها النوايا مع الضرورات، والمبادئ مع حسابات البقاء. وهنا يصبح الحكم الأخلاقي السريع غير كافٍ لفهم ما يجري، لأن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن اقترب من الطُعم، بل بكيفية بناء نظام يجعل الاقتراب نفسه جزءاً من شروط البقاء السياسي. إن أخطر ما في هذه البنية ليس وقوع الأفراد فيها، بل استمرارية قدرتها على إعادة إنتاج الطُعم بأشكال جديدة، تجعل الوعي به دائماً متأخراً خطوة واحدة عن لحظة الفعل.
في نهاية المطاف، لا يمكن تخيّل عالمٍ بلا طُعوم أو شِراك. فهما جزء من بنية التفاعل الإنساني، حيث تتقاطع المصالح والرغبات. لكن ما يمكن تخيّله هو إنسان أكثر قدرة على التمييز: لا يُغريه الشكل وحده، ولا يخدعه الوعد وحده، بل يقرأ البنية التي تُنتج الإغراء نفسه. ففي هذا الوعي فقط، تتحول السياسة من حقلٍ لإعادة إنتاج الفخاخ إلى مساحةٍ محتملة للفعل النقدي والاختيار الحقيقي.




