رأي

المأزق السياسي: تفكيك البنية الذهنية للصراع 

طلب الختيم المحامي

 

طلب الختيم المحامي 

أزمة السودان الراهنة لم تعد مجرد أزمة سلطة أو فشل انتقال سياسي، بل أزمة أعمق بكثير: أزمة العقل السياسي نفسه الذي يدير الصراع ويعيد إنتاجه باستمرار. عقلٌ تشكّل في سنوات القمع والمواجهة، ثم استمر بعد التحولات السياسية الكبرى دون أن يغيّر أدواته ومنهج تفكيره.

هذا العقل نشأ داخل بيئة عنيفة ومشحونة بالتخوين والصراع، ولذلك ترسخت فيه ثلاث سمات أساسية:

•اختزال السياسة في منطق المعركة لا منطق الدولة.

•تحويل الخلاف السياسي إلى عداوة شخصية

وأخلاقية.

•اعتبار السيطرة على السلطة غاية بحد ذاتها لا وسيلة لبناء بلد.

وبالتالي، لم تعد السياسة مساحة لإدارة الاختلاف، بل أصبحت ساحة لإثبات الغلبة وإقصاء الآخر.

المفارقة أن لحظة سقوط النظام لم تتحول إلى فرصة لبناء دولة جديدة، بل جرى الانزلاق إلى إعادة إنتاج نفس نمط الدولة القديمة: دولة تُدار كامتياز لا كعقد اجتماعي، وكغنيمة لا كمؤسسة عامة.

ولهذا تعمّق الفشل في:

• بناء مشروع وطني جامع

• توحيد القوى المدنية

• إدارة انتقال سياسي مستقر

وما زاد المشهد تعقيدًا أن هذا العجز لم يبقَ محصورًا في الفاعل السياسي وحده، بل انعكس مباشرة على بنية القوى المدنية والسياسية نفسها، التي دخلت في حالة انقسام وتشظٍ مستمر.

فقد تحولت الساحة المدنية من مساحة محتملة للتوافق إلى ساحة تنازع داخلي، تتكاثر فيها الكيانات، وتضعف فيها القدرة على إنتاج موقف موحد، حتى تجاه القضايا المصيرية الكبرى. وهذا التشظي ليس سببًا مستقلًا، بل أحد أبرز إفرازات منطق الصراع ذاته وعجزه عن إنتاج عقل سياسي جامع

لتصل البلاد في النهاية إلى وضع أخطر: تحول الصراع السياسي إلى حرب تهدد وجود الدولة نفسها، بدل أن يكون خلافًا حول إدارتها.

المعضلة الأعمق اليوم أن مفهوم الدولة نفسه أصبح مهددًا، لأن كل الأطراف باتت تتعامل معها كأداة صراع لا كإطار جامع للمجتمع.

وهنا تظهر الخطورة الحقيقية: حين يفقد الفاعلون السياسيون القدرة على رؤية الدولة كمشروع مشترك، تتحول الحرب إلى بديل عن السياسة، ويصبح الانهيار نتيجة طبيعية.

الخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يكون عبر تغيير الأشخاص فقط، بل عبر تغيير طريقة التفكير نفسها:

• من منطق الغلبة إلى منطق التسوية

• من الإقصاء إلى الاعتراف بالآخر

• من امتلاك الحقيقة إلى إدراك تعقيد الواقع

الحوار هنا ليس رفاهية سياسية، بل شرط أساسي لبقاء الدولة ومنع انهيارها الكامل.

الخلاصة:

أزمتنا ليست فقط في من يحكم، بل في الطريقة التي نفكر بها في الحكم نفسه، وفي العجز الذي أصاب البنية السياسية والمدنية معًا، فأنتج حالة التشظي والانقسام بدل الوحدة والتوافق.

والسؤال الآن:

هل نملك الشجاعة لمراجعة هذا العقل السياسي وتغييره؟

أم سنستمر في إعادة إنتاج الأزمة حتى النهاية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!