
زينب حسن سعيد
مقولة “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية” ليست مجرد ترف فكري أو حكمة اجتماعية نتبادلها في المجالس، بل هي في صميمها القاعدة الدستورية والسياسية الأولى لنهضة الأمم. وفي الحالة السودانية تحديداً، يبدو غياب هذه القاعدة هو المعول الأكبر الذي هدم، ولا يزال يهدم، آمال الاستقرار والتعافي المؤسسي منذ فجر الاستقلال.
الأزمة في جذورها تبدأ من قمة الهرم، حيث تسيطر عقلية الإقصاء والمباراة الصفرية. العقلية القيادية التي تعاني من الهشاشة النفسية وانعدام الثقة ترى في النصيحة إعلاناً للحرب، وفي الرأي المخالف تهديداً مباشراً لكرسي السلطة. هذا الخلط المدمر بين “شخص القائد” و”مؤسسة الدولة” يحول أي تباين إداري أو سياسي إلى معركة نفوذ شخصية.
إن الإدارة التي تضيق ذرعاً بالتصويب وتخشى العقول المستقلة هي إدارة تكرس للجمود والتخلف. وبدلاً من أن تستثمر طاقات الكفاءات الوطنية لتجاوز الأزمات، نجد أن هذه القيادة تكسر شوكة الشعوب وتغتال طموحاتها، مفضلةً إحاطة نفسها بأصوات التمجيد التي تغذي غرور السلطة على حساب الناصحين المخلصين الذين يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
تاريخنا السياسي هو تجسيد مرير لثقافة التخوين والشك المستمر في نوايا الشركاء. فإما إقصاء تام أو سيطرة مطلقة؛ وهي العقلية التي أجهضت كافة فترات الانتقال وأدخلت البلاد في دوامات من العنف والانقسام. لو أدركت النخب المتعاقبة أن التنوع العرقي والثقافي والسياسي الهائل في السودان هو مصدر إثراء وتكامل، وليس وقوداً للاقتتال، لكان واقعنا اليوم مختلفاً جذرياً.
للخروج من هذا النفق المظلم، لا بد من نقل المعركة من محاولة إصلاح عقليات تشربت الإقصاء لعقود، إلى بناء “مناعة فكرية ومؤسسية” صارمة للأجيال القادمة. الرهان اليوم على الشباب، وهذا يتطلب تدخلاً استراتيجياً عاجلاً يبدأ بتحييد منابر التعليم. نحن بحاجة ماسة إلى تأسيس مفوضيات أكاديمية وتعليمية مستقلة تماماً عن أي تجاذبات سياسية أو حزبية؛ لضمان بقاء الحرم الجامعي والمدرسي مساحة خالصة للبحث العلمي، والتفكير الناقد، ووضع أطر التعافي الوطني.
يجب أن نعيد تعريف مفهوم “القيادة القوية” في وعي الأجيال الناشئة. القائد الحقيقي ليس هو “البطل الأوحد” الذي يفكر نيابة عن الجميع ويقمع من يخالفه، بل هو “المايسترو” الذي يمتلك الكاريزما والقدرة على إدارة تناقضات الآراء، وتوجيهها للخروج بأفضل قرار يخدم المصلحة العامة.
إن ترسيخ ثقافة فصل الفكرة عن قائلها، ومناقشة القضايا بموضوعية وتجرد، هو الممر الإجباري الوحيد للانتقال ببلادنا من ساحة تستهلك ذاتها في صراعات عبثية، إلى دولة مؤسسات حديثة تتسع لجميع أبنائها، وتجعل من اختلافهم قوة دفع للرقي، لا معولاً للهدم.




