اضاءات قانونيه(٣) كيف تقوم حكومه تاسيس بتنفيذ مهامها الوارده فى نص الماده (٤٦) من الدستور الانتقالى لسنه ٢٠٢٥ ؟؟
يعقوب التجانى ابراهيم المحامى والمستشار القانوني

يعقوب التجانى ابراهيم المحامى والمستشار القانوني
قراءه قانونيه فى آليات التنفيذ واستكمال مؤسسات السلطه الانتقاليه .
تمثل الماده ٤٦ من الدستور الانتقالى لسنه ٢٠٢٥ حجر الاساس الذى تستند اليه حكومه تاسيس فى مباشره مهامها خلال المرحله الانتقاليه خاصه فى ظل ظروف الحرب والانقسام المؤسسى والانهيار الادارى الذى يمر به السودان .
غير ان القيمه القانونيه لاى نص دستورى لاتكمن فى مجرد صياغته وإنما فى وجود مؤسسات قادره على تحويله الى واقع عملى يخضع لمبادئ المشروعيه الدستوريه وسياده حكم القانون .
ومن هنا فان نجاح حكومه تاسيس لايقاس باعلانها السياسى او بتشكيلها الوزارى وحده وإنما بقدرتها على بناء منظومه حكم متكامله تشمل [ السلطه التنفيذيه والتشريعيه والرقابيه والقضائيه ] باعتبار ان الماده ٤٦ لايمكن تنفيذها بواسطه الحكومه او السلطه التنفيذيه وحدها منفرده .
اولا/ مبدأ الشرعيه الدستوريه كاساس لتنفيذ الماده (٤٦) من الدستور
الاصل فى النظم الدستوريه ان السلطه الانتقاليه مهما كانت طبيعتها السياسيه او الثوريه تظل مقيده باحكام الوثيقه الدستوريه التى انشأتها .وعليه فان حكومه تاسيس لاتستمد مشروعيتها فقط من الواقع السياسى أوالعسكرى وإنما من مدى التزامها بتنفيذ الدستور واحترام حدود اختصاصها ويقتضى ذلك الالتزام بثلاثه مبادئ رئيسيه وهى :–
١/ مبدأ سياده الدستور : بحيث تخضع جميع السلطات والاجهزه لاحكام الدستور الانتقالى
٢/مبدأ سياده حكم القانون : اى خضوع الاجهزه المدنيه والعسكريه للرقابه القانونيه والقضائيه
٣/ مبدأ الفصل بين السلطات: حيث لاتتحول السلطه التنفيذيه الى سلطه مطلقه فى ظل غياب المؤسسات التشريعيه والرقابيه والقضائيه
ثانيا/ تشكيل الحكومه التنفيذيه وبدايه الانتقال من الإعلان السياسى الى الدوله المؤسسيه
يمثل اعلان حكومه تاسيس بتشكيل مجلس الوزراء خطوه مهمه وموفقه فى الانتقال من مرحله الإعلان السياسى الى مرحله ممارسه السلطه التنفيذيه فعليا . غير ان القراءه القانونيه الرصينه تقتضي التأكيد على ان تشكيل الوزراء وحده لايكفى لبناء سلطه انتقاليه مكتمله الاركان لان الدوله الدستوريه لاتقوم على الجهاز التنفيذى فقط وإنما على تكامل المؤسسات الدستوريه جميعها .
فالسلطه التنفيذيه مهما بلغت أهميتها لايمكنها منفرده تنفيذ التزامات الماده (٤٦) المتعلقه بمهام حكومه تاسيس بحمايه المدنيين وتحقيق العداله الاجتماعيه والانتقاليه وأعاده بناء الدوله وضمان الحقوق والحريات وإيقاف الحرب وتحقيق السلام الشامل دون وجود : [سلطه تشريعيه تسن القوانين وتنظم الاختصاصات وتمارس الرقابه والمساءله على الجهاز السلطه التنفيذيه _سلطه قضائية مستقله _ مفوضيات رقابيه وحقوقيه مستقله ]
ومن ثم فان اى تاخير فى استكمال هذه المؤسسات قد يؤدي الى اختلال التوازن الدستورى وتركيز السلطه داخل الجهاز التنفيذى .
ثانيا/ التجربه السودانيه السابقه وخطوره غياب الهيئه التشريعيه.
من الضرورة عند تقييم تجربه حكومه تاسيس استحضار تجربه حكومه ثوره ديسمبر برئاسه د عبدالله حمدوك باعتبارها نموذجا عمليا يوضح خطوره غياب المؤسسات التشريعيه خلال الفترات الانتقاليه .
فمن ابرز الأسباب التى اضعفت حكومه الثوره واسهمت فى سقوطها سياسيا ودستوريا غياب تشكيل الهيئه التشريعيه الانتقاليه المنصوص عليها فى الوثيقه الدستوريه الامر الذى أدى الى اختلال واضح فى مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات وقد ترتب على ذلك عمليا ترك سلطه التشريع بين مجلس السياده ومجلس الوزراء فى وضع استثنائي افتقر الى الرقابه البرلمانيه والمؤسسيه الكافيه وادى ذلك الى تركيز السلطه داخل الجهاز التنفيذى والسيادى وغياب الرقابه الشعبيه والدستوريه وتصاعد الخلافات بين المكونات المدنيه والعسكرية مماعجل بسقوط حكومه حمدوك .
وبذلك على حكومه تاسيس ان تتجنب هذا الخطأ وان تسرع فى اكمال تشكيل الهيئه التشريعيه التاسيسه بتشكيل مجلس النواب .
رابعا/ كيف تنفذ حكومه تاسيس مهامها الوارده فى الماده (٤٦)
١/تنفيذ التزام حمايه المدنيين :
اذا كانت الماده ٤٦ الزمت الحكومه بحمايه المدنيين فان تنفيذ هذا الالتزام لايتحقق عبر البيانات السياسيه وإنما من خلال انشاء منظومه قانونيه وامنيه متكامله تشمل :
١/ تكوين قوات نظاميه منضبطه تخضع لقياده موحده
٢/ اصدار قواعد اشتباك تحظر استهداف المدنيين
٣/ انشاء نيابات ومحاكم مختصه بجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمه
٤/ فتح ممرات انسانيه أمنه
٥/ التعاون مع المنظمات الدوليه والاقليميه
٦/ انشاء آليات للرصد والتوثيق والمساءله
كما يرتبط هذا الالتزام مباشره بقواعد الأمم المتحده والقانون الدولى الانسانى واتفاقيه جنيف الثالثه والبروتوكول الاضافى الثانى الملحق لاتفاقيات جنيف
خامسا/ ضروره استكمال الهيئه التشريعيه بتشكيل مجلس النواب
الضروره الدستوريه تفرض الإسراع فى استكمال الهيئه التشريعيه بتعيين مجلس النواب وذلك لعده اسباب منها :
١/ الرقابه على الحكومه : حيث لايمكن الحديث عن حكم دستورى رشيد دون وجود مؤسسه تشريعيه تراقب اعمال الوزراء وتراجع القرارات التنفيذيه
٢/اصدار القوانين المكمله للدستور: تنفيذ الماده ٤٦ يحتاج لإصدار حزمه من القوانين التى تساعد الحكومه فى تنفيذ مهامها وتوزع الاختصاصات بين الوزراء كقانون حمايه المدنيين وقانون العداله الانتقاليه وقانون مفوضيه حقوق الإنسان وغيرها من القوانين
٣/اهميه انشاء مفوضيه حقوق الإنسان:—
ان انشاء هذه المفوضيه يمثل ضروره دستوريه عاجله وليس مجرد استحقاق سياسى ثانوى وتبرز اهميه المفوضيه فى:
رصد وتوثيق الانتهاكات _ مراقبه أداء الاجهزه الامنيه والعسكريه _ حمايه الحقوق والحريات العامه _ استقبال شكاوى المواطنين _ التعاون مع الآليات الدوليه والاقليميه وتقديم الشكاوى المدعومه بالتقارير الموثقه
سابعا / تنفيذ مهام العداله الانتقاليه :
لايمكن لاى مرحله انتقاليه ان تحقق الاستقرار والامن دون معالجه إرث الانتهاكات والنزاعات لذلك على حكومه تاسيس تنفيذ العداله الانتقاليه عبر :
انشاء مفوضيه للحقيقة والمصالحه – التحقيق من الانتهاكات الجسيمه برصدهاوتوثيقها وتحديد الضحايا _مساءله الجناه وعدم افلاتهم من العقاب _ تعويض الضحايا وجبر الضرر _ اصلاح المؤسسات المدنيه والعدليه والامنيه
ثامنا/ اعاده بناء بناء مؤسسات الدوله : وذلك يتم وفقا لنص الماده ٤٦ عبر : اعاده هيكله الخدمه المدنيه _ تعزيز استقلال القضاء _ اعاده تنظيم الاجهزه الامنيه والعسكريه _ مكافحه الفساد واسترداد الأموال العامه _ اعاده تفعيل المؤسسات الاقتصاديه والماليه
تاسعا/ تنفيذ مهام صناعه السلام : اى دستور يفقد قيمته اذا عجز عن انهاء الحرب وتحقيق السلام ولذلك ان تنفيذ الماده ٤٦ يقتضي:
فتح مسارات تفاوض شامله _ معالجه جذور النزاع التاريخيه _ تحقيق العداله والتوزيع العادل للسلطه والثروة _ دمج القوات وفق ترتيبات قانونيه واضحه
عاشرا/ الرقابه على تنفيذ الماده (٤٦) :اى نص دستورى بلارقابه يتحول الى اعلان سياسى فاقد الأثر القانونى لذلك فان تنفيذ مهام حكومه تاسيس يجب ان يخضع الى :
١/رقابه الهيئه التشريعيه
٢/ رقابه القضاء الدستورى والادارى
٣/ رقابه الرأى العام والاعلام
٤/ رقابه المنظمات الوطنيه والدوليه والاقليميه
كما تلتزم الحكومه بتقديم تقارير دوريه توضح ماتم تنفيذه والمعوقات التى تواجه المرحله الانتقاليه
حادى عشر/ المخاطر الدستوريه المترتبة على تاخير استكمال المؤسسات :
ان استمرار الفراغ التشريعي والعدلى قد يؤدي الى نتائج خطيره منها:
١/ ضعف الرقابه على السلطه التنفيذيه
٢/ تضارب الاختصاصات والقرارات
٣/ غياب القوانين المنظمه لعمل السلطه التنفيذيه
٤/هدم مبدأ الفصل بين السلطات
٥/ غياب المساءله القانونيه
٦/ تصاعد الاتهامات بانتهاكات الحقوق والحريات
٧/ أضعاف الثقه الداخليه والخارجيه فى الحكومه الانتقاليه واستحاله الاعتراف بها دوليا
خاتمه :
ان اعلان حكومه تاسيس بتشكيل وزراءها والمجلس العدلى ورئيس القضاء ومجلس الولايات يمثل خطوه مهمه فى طريق تنفيذ مهامها الوارده فى نص الماده ٤٦ من الدستور الانتقالى لسنه٢٠٢٥ لكنه يظل بدايه غير مكتمله مالم يستكمل البناء الدستورى الكامل للدوله الانتقاليه .
فنجاح اى سلطه انتقاليه لايقاس بعدد المناصب او التعيينات وإنما بقدرتها على تاسيس مؤسسات تشريعيه رقابيه وسلطه قضائية كامله مستقله قادره على حمايه الدستور وصون الحقوق والحريات تمنع انفراد السلطه التنفيذيه بالحكم .
وبذلك فان الإسراع فى اكمال سلطات الدوله الثلاث خاصه التشريعيه والقضائيه لم يعد مجرد استحقاق سياسى بل اصبح واجبا دستوريا لازما لضمان سلامه المرحله الانتقاليه وترسيخ دوله سياده حكم القانون وتحقيق الشرعيه الدستوريه التى تستند إليها حكومه تاسيس




