رأي

على أنقاض الظلم.. هل يولد السودان الجديد من رماد الحرب؟

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

حين يطول الليل، لا يكون الفجر وعدًا بعيدًا بل ضرورة تاريخية

ليست كل الحروب نهاية، فبعضها ـ على قسوته ووحشيته ـ يتحول إلى لحظة كشف كبرى، تسقط فيها الأقنعة، وتنهار الأوهام، وتُفتح أبواب التاريخ أمام ميلاد جديد. وما يعيشه السودان اليوم، رغم فداحة الدم والدمار والنزوح، قد يكون أخطر المآسي من جهة، وأعظم الفرص من جهة أخرى؛ لأنه يضع الدولة القديمة أمام امتحان البقاء، ويضع الشعوب أمام فرصة إعادة كتابة المصير.

لقد ورث السودان منذ الاستقلال دولة مشوهة البنية، صيغت على مقاس المركز، وأُديرت بعقلية الهيمنة، وتغذت على الامتيازات التاريخية الضيقة. دولة لم تُبنَ على عقد اجتماعي عادل، بل على موازين قوة مختلة، جعلت قلة محدودة تتحكم في الثروة والسلطة، بينما تُترك الأقاليم والهامش في دائرة الحرمان والإقصاء. ولهذا لم تكن الحروب المتعاقبة صدفة، بل نتيجة طبيعية لبنية ظالمة قاومت الإصلاح وأدمنت القمع.

هذه النخب، التي تناوبت على الحكم مدنية كانت أو عسكرية، لم تنظر إلى التنوع السوداني بوصفه مصدر قوة، بل باعتباره تهديدًا يجب إخضاعه. فكل صوت طالب بالإنصاف وُصف بالتمرد، وكل حركة احتجاج قوبلت بالبندقية، وكل دعوة لإعادة توزيع السلطة والثروة جرى تخوينها أو سحقها. وهكذا تحولت الدولة من مظلة جامعة إلى أداة بطش سياسي واجتماعي.

سبعة عقود من الانقلابات، والوعود الكاذبة، والحروب العبثية، كانت كافية لإثبات فشل النموذج القديم. ملايين الأرواح أُزهقت، ومدن أُحرقت، وأجيال كاملة عاشت بين النزوح والخوف والفقر، بينما ظلت السلطة تدور داخل الحلقة نفسها، تتبدل وجوهها وتبقى أدواتها.

غير أن ما يجري اليوم، بكل تناقضاته، يحمل في جوفه احتمالاً مختلفًا. فهذه الحرب لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل صارت مواجهة مفتوحة مع إرث تاريخي كامل من الظلم والتهميش. لقد كشفت هشاشة الدولة القديمة، وعرت خطاب النخب، وأثبتت أن السودان لا يمكن أن يُحكم إلى الأبد بالعنف والإقصاء

ومن قلب هذا الركام، يبرز السؤال الكبير: ماذا بعد؟ الإجابة لا تكمن في انتصار طرف عسكري على آخر، ولا في إعادة إنتاج الصفقات القديمة، بل في تأسيس مشروع وطني جديد، يعترف بكل القوميات والشعوب السودانية، ويعيد توزيع السلطة على أسس عادلة، ويجعل المواطنة لا الامتياز الوراثي أساس الحقوق والواجبات.

السودان الجديد لن يولد من غرف النخب المغلقة، بل من إرادة الناس الذين دفعوا الثمن الأكبر. من المزارع الذي أنهكته الحرب، والنازح الذي فقد بيته، والمرأة التي حملت عبء البقاء، والشباب الذين حلموا بوطن لا تُصادره البنادق. هؤلاء هم أصحاب الشرعية الحقيقية، وهم القادرون على صنع عقد جديد يطوي صفحة الاستبداد.

آن الأوان لدفن زمن الانقلابات والدولة المختطفة، وبناء دولة السلام والحرية والعدالة الاجتماعية. دولة لا تُدار بالخوف، ولا تُحمى بالتمييز، ولا تُختزل في جغرافيا أو سلالة أو حزب.

قد يطول الطريق، وقد تتعثر الخطوات، لكن سنن التاريخ واضحة: الشعوب قد تُقهَر حينًا، لكنها لا تُهزم إلى الأبد. والسودان، مهما أثقلته الجراح، قادر على أن ينهض من رماد الحرب أكثر عدلاً واتساعًا وإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!