تقارير وتحقيقات

من منصة القيادة إلى كتائب البراء.. كيف أصبح ياسر العطا جسر الإخوان إلى الجيش السوداني؟

التنوير تقرير القسم السياسي

 

التنوير تقرير القسم السياسي 

لم يكن تعيين الفريق أول ياسر العطا رئيساً لهيئة الأركان مجرد خطوة إدارية داخل المؤسسة العسكرية السودانية، بل بدا للكثيرين تتويجاً لمسار سياسي وعسكري طويل، تحوّل فيه الرجل من ضابط نافذ إلى أحد أبرز الوجوه المرتبطة بإعادة تموضع التيار الإسلامي داخل الجيش. فالقرار الذي أثار ضجة واسعة داخلياً وخارجياً، جاء في لحظة شديدة الحساسية، بينما تتصاعد الأسئلة حول هوية المؤسسة العسكرية، ومن يملك قرارها الحقيقي.

يرى مراقبون أن صعود العطا لم يكن منفصلاً عن تمدد الجماعات العقائدية المسلحة، وعلى رأسها كتيبة البراء بن مالك، التي تحولت من تشكيل قتالي مثير للجدل إلى لاعب حاضر في الخطاب العسكري الرسمي. ومن هنا، لم يعد اسم العطا يُذكر بوصفه مسؤولاً عسكرياً فحسب، بل باعتباره حلقة الوصل الأبرز بين قيادة الجيش وكتائب الإسلاميين.

صعود مثير للجدل في زمن الانهيار

منذ سنوات، ارتبط اسم ياسر العطا بخطاب سياسي حاد، وتصريحات تتجاوز الدور العسكري التقليدي. ومع انتقاله من موقع مساعد القائد العام إلى موقع رئيس هيئة الأركان، بدا واضحاً أن الرجل لم يعد مجرد عضو في القيادة، بل أصبح ممسكاً بخيوط مهمة داخل الجيش في أخطر مراحل السودان المعاصرة.

ويشير منتقدوه إلى أن حضوره تزامن مع انكماش التيار الوطني المهني داخل المؤسسة العسكرية، مقابل صعود شخصيات محسوبة على شبكات الإسلاميين. كما أن الأوصاف الشعبية التي لاحقته، مثل “ياسر كاسات”، لم تكن مجرد سخرية عابرة، بل تعبيراً عن غضب شعبي تجاه أداء قيادات عسكرية اتُّهمت بتسييس الجيش وتحويله إلى منصة صراع حزبي.

تكليفه برئاسة الأركان لم يُقرأ كترقية طبيعية، بل كرسالة سياسية مفادها أن الاتجاه المسيطر داخل الجيش قرر تثبيت رجاله في المواقع الحاسمة، تمهيداً لإعادة هندسة المؤسسة وفق موازين جديدة.

حرب أبريل.. حين خرج التنظيم من الظل

يرى كثيرون أن حرب الخامس عشر من أبريل لم تكن حادثاً مفاجئاً، بل نتيجة تحضيرات سبقتها تحركات دقيقة داخل العاصمة ومحيط الوحدات العسكرية. فبينما كان الرأي العام يتابع مسار الاتفاق الإطاري، كانت مجموعات مرتبطة بالحركة الإسلامية تتحرك بهدوء داخل الخرطوم، وفق روايات متداولة من مصادر ميدانية وشهادات متعددة.

وتشير هذه الروايات إلى تجهيز عناصر قتالية داخل أحياء سكنية، وإعادة توزيع أفراد ذوي خبرات فنية وقناصة في نقاط حساسة قبل اندلاع المواجهات بوقت كافٍ. وهذا يعني، وفق منتقدي القيادة العسكرية، أن الجيش لم يكن يتحرك باعتباره مؤسسة قومية محايدة، بل كجسم مفتوح أمام مشروع تنظيمي ينتظر لحظة الانقضاض.

وقد اعتُبر دور شخصيات نافذة مثل ياسر العطا جزءاً من هذا المشهد، خاصة مع دفاعه المتكرر عن القوات المساندة، وإشادته بالتشكيلات التي قاتلت إلى جانب الجيش منذ اليوم الأول.

البراء بن مالك.. الكتيبة التي خرجت إلى العلن

في قلب هذا التحول، برزت كتيبة البراء بن مالك باعتبارها النموذج الأكثر وضوحاً لتداخل العسكري بالعقائدي. فقد ظهرت الكتيبة في أكثر من جبهة، وشاركت في معارك بارزة داخل الخرطوم وولايات أخرى، ما جعلها من أكثر المجموعات حضوراً في الحرب.

وتتهم أطراف سياسية وحقوقية هذه الكتيبة بأنها امتداد عسكري للحركة الإسلامية ولرموز النظام السابق، بينما تنفي قياداتها ذلك. غير أن طبيعة خطابها التعبوي، ورموزها، وأسماء قادتها، كلها غذّت الانطباع بأنها ليست مجرد مجموعة مقاتلة، بل مشروع أيديولوجي مسلح.

كما زاد الجدل بعد تقارير تحدثت عن تصنيفها إرهابية من قبل الولايات المتحدة، مع اتهامات تتعلق بتلقي دعم خارجي والمشاركة في انتهاكات ضد المدنيين خلال الحرب.

وهنا تحديداً، أصبح اسم ياسر العطا ملازماً للكتيبة، ليس فقط بسبب التنسيق الميداني، بل لأن الرجل بدا الأكثر استعداداً لمنحها غطاءً سياسياً وعسكرياً داخل الدولة.

 

العطا يمدح “الأمير”.. ورسائل تتجاوز المجاملة

أحد أكثر المواقف إثارة للجدل كان إشادة ياسر العطا بقائد الكتيبة المصباح أبوزيد طلحة، حين وصفه بـ“الأمير”. لم يكن الأمر مجرد عبارة عابرة في خطاب حماسي، بل رسالة عميقة الدلالة في بلد يخوض حرباً معقدة حول الدولة والشرعية والسلاح.

ففي التقاليد العسكرية، لا تمنح الشرعية الرمزية بسهولة لقادة جماعات غير نظامية. لكن استخدام هذا الوصف فُهم على أنه اعتراف سياسي بمكانة قائد الكتيبة، وتأكيد أن البراء بن مالك لم تعد جسماً هامشياً، بل طرفاً مقبولاً في معادلة القوة.

كما تحدث العطا عن الكتيبة باعتبارها جزءاً من القوات المساندة للجيش، وهو توصيف اعتبره مراقبون خطوة تمهيدية نحو دمجها رسمياً داخل القوات المسلحة، أو على الأقل تثبيت حضورها تحت المظلة الرسمية.

وبذلك، لم يعد السؤال هل هناك علاقة بين العطا والبراء، بل إلى أي مدى أصبحت هذه العلاقة جزءاً من هندسة الجيش الجديد.

اجتماع سري.. توزيع أدوار وترتيب للمستقبل

تسريبات متداولة تحدثت عن اجتماع جمع ياسر العطا بعدد من قادة الكتائب الإسلامية المسلحة، بحضور شخصيات تنسيقية نافذة. ووفق هذه المعلومات، ضم اللقاء ممثلين لمجموعات مختلفة، من بينها الفرقان، الطيارين، محمد عبدالله خلف الله، والبرق الخاطف.

وبحسب ما نُقل، طالب العطا هذه التشكيلات بالمشاركة في عمليات عسكرية بجبهات الكرمك وكردفان قبل حلول الخريف، إلى جانب دعم محاور دارفور، وتعزيز هيئة العمليات والاستخبارات بالعناصر المدربة.

كما قيل إنه طلب تقليل الظهور الإعلامي لتجنب إحراج القيادة والدول الداعمة، في إشارة إلى حساسية العلاقة بين الجيش وهذه المجموعات.

وتضمنت التسريبات وعوداً بفرص تدريب خارجية في عدد من الدول، تشمل مجالات الطيران المسيّر والمنظومات الدفاعية، إضافة إلى استيعاب عناصر في هياكل عسكرية وأمنية، وفتح أبواب الالتحاق بالكلية الحربية والشرطة.

إذا صحت هذه المعلومات، فإنها تعني أن العلاقة تجاوزت التنسيق الميداني إلى مشروع مؤسسي لإعادة تدوير الكتائب داخل الدولة.

 

من جيش الدولة إلى جيش التنظيم

المعضلة الكبرى، وفق منتقدين، لا تكمن في الاستعانة المؤقتة بقوات مساندة، بل في تحويل هذه الاستعانة إلى بنية دائمة داخل الجيش. فعندما يصبح السلاح موزعاً بين الرتب العسكرية والولاءات الحزبية، تنهار فكرة الجيش الوطني تدريجياً.

ويقول مراقبون إن ما جرى خلال الحرب أعاد إنتاج النموذج القديم الذي حكم السودان لعقود: مؤسسة عسكرية تحمل اسم الدولة، لكنها تعمل لصالح تنظيم سياسي يعتبر نفسه وصياً على البلاد.

وفي هذا الإطار، يمثل ياسر العطا وجهاً لهذا التحول؛ فهو المسؤول الذي لم يخفِ تقاربه مع الكتائب الإسلامية، ولم يتردد في الدفاع عنها، بل قدّمها باعتبارها رصيداً وطنياً في الحرب.

وهكذا، يتحول تعيينه رئيساً للأركان إلى أكثر من قرار إداري؛ إنه تثبيت لمسار يربط قيادة الجيش مباشرة بشبكات الإسلاميين المسلحة.

السودان أمام مفترق خطير

السودان اليوم أمام سؤال مصيري: هل يمكن بناء دولة حديثة بجيش مخترق تنظيمياً؟ وهل يمكن تحقيق سلام دائم بينما تستمر الكتائب العقائدية في التمدد تحت مظلة رسمية؟

إن أي عملية سياسية جادة بعد الحرب ستصطدم بحقيقة أن المؤسسة العسكرية لم تعد محل إجماع وطني كما كانت تُصوَّر، بل ساحة صراع بين مفهوم الدولة ومشروع الجماعة.

ولهذا، فإن الجدل حول ياسر العطا لا يتعلق بشخصه فقط، بل بما يمثله من اتجاه كامل داخل السلطة. فالرجل، في نظر خصومه، ليس مجرد قائد عسكري، بل رمز لمرحلة اندمجت فيها القيادة الرسمية مع كتائب البراء وغيرها من أذرع الإسلاميين.

ويبقى السؤال الأخطر: إذا كان رئيس الأركان هو الجسر بين الجيش وهذه الجماعات، فمن يعيد بناء الجسر بين الجيش والشعب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!