جدة تحتضن البرهان… هل انكسر جسر بورتسودان مع الرياض؟ تعثر صفقة السلاح الباكستانية وملف الوساطة الإيرانية يكشفان أخطر لحظة عزلة يواجهها الجيش السوداني
التنوير تقرير ابو عبدالله الراشدي

التنوير تقرير ابوعبد الله الراشدي
في توقيت بالغ الحساسية، وصل عبد الفتاح البرهان إلى جدة في زيارة بدت للوهلة الأولى بروتوكولية، لكنها في جوهرها تحمل مؤشرات أزمة مكتومة بين سلطة بورتسودان والمملكة العربية السعودية. فالرجل الذي ظل يعوّل على شبكة دعم إقليمي واسعة، وجد نفسه أمام لحظة سياسية معقدة، بعد تعثر صفقة تسليح ضخمة من باكستان، وتفجّر ملف وساطة إيرانية لشراء السلاح، في وقت تتصاعد فيه حساسيات الإقليم تجاه أي تمدد لنفوذ إيران في البحر الأحمر والمنطقة.
الزيارة، بحسب مراقبين، لم تكن زيارة اطمئنان، بل زيارة احتواء خسائر.

صفقة المليار والنصف… الحلم الذي تبخر
شكلت الصفقة العسكرية مع باكستان أحد أكبر رهانات الجيش السوداني منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وتحدثت تقارير عن اتفاق بلغت قيمته نحو 1.5 مليار دولار، يتضمن طائرات تدريب، ومسيّرات قتالية، وأنظمة دفاع جوي، ومركبات مصفحة، إلى جانب محركات لطائرات ميغ-21.
وكان يُنظر إلى الصفقة باعتبارها محاولة لإعادة صياغة موازين القوة، خصوصًا في ملف السيطرة الجوية، بعد أن أصبحت الطائرات المسيّرة عنصرًا حاسمًا في الحرب السودانية.
وبحسب التسريبات، شارك في التفاوض وفد عسكري رفيع بقيادة مسؤولين من منظومة الصناعات الدفاعية، ما يعكس أهمية الصفقة داخل المؤسسة العسكرية.
لكن الحلم العسكري انهار فجأة.
إذ أعلنت إسلام آباد إلغاء الصفقة، وسط غموض رسمي، بينما تشير القراءات السياسية إلى أن التمويل السعودي الذي كان يفترض أن يدعم العملية جُمّد أولًا، ثم أُسقط نهائيًا.
الرياض تغيّر قواعد اللعبة
التحول السعودي لم يأتِ من فراغ. فمنذ أشهر بدأت الرياض مراجعة مقاربتها للملف السوداني، مع تزايد القلق من استمرار الحرب، وغياب أفق سياسي واضح، وتصاعد نفوذ قوى غير منضبطة داخل المشهد العسكري والسياسي.
لكن العامل الأكثر حساسية تمثل في التقارير التي تحدثت عن اتصالات مستمرة بين بورتسودان وطهران، رغم بيانات رسمية تحدثت عن تقليص تلك العلاقة.
وبالنسبة للرياض، فإن أي تقارب سوداني–إيراني في هذا التوقيت يُقرأ ضمن معادلة الأمن الإقليمي، لا مجرد خيار ثنائي. فالسعودية التي تخوض مرحلة إعادة تموضع كبرى في المنطقة، لا ترغب في تمويل ترتيبات عسكرية قد تصب لاحقًا في مساحة نفوذ خصومها.
وهكذا، بدا أن صفقة السلاح الباكستانية دفعت ثمن الجغرافيا السياسية، لا فقط ثمن الحسابات المالية.

شاميم مافي… الاسم الذي فجّر الصمت
في خضم هذا المشهد، جاء إعلان الادعاء الفيدرالي الأميركي توقيف امرأة إيرانية تُدعى شاميم مافي، تحمل إقامة دائمة في الولايات المتحدة، بتهم تتعلق بالتوسط في صفقات تسليح لصالح وزارة الدفاع السودانية.
وتشير الاتهامات إلى أن المتهمة نسقت عبر شركة مسجلة في سلطنة عمان صفقات تشمل مسيّرات، ذخائر، قنابل موجهة، وذخائر خفيفة، مع استخدام شبكات مالية بديلة وشركات وسيطة للالتفاف على العقوبات.
القضية، إن ثبتت تفاصيلها قضائيًا، تتجاوز الجانب الجنائي، لأنها تضع الجيش السوداني أمام اتهام مباشر بالسعي للحصول على السلاح عبر قنوات مرتبطة بإيران، في لحظة إقليمية مشحونة.
وهذا ما جعل الملف أكثر خطورة من مجرد خبر قضائي.
بورتسودان في زاوية حرجة
سلطة بورتسودان تجد نفسها الآن في وضع بالغ التعقيد. فمن جهة، فقدت صفقة عسكرية ضخمة كانت تعوّل عليها ميدانيًا، ومن جهة أخرى تواجه شبهة سياسية تتعلق بعلاقاتها مع طهران.
هذا الوضع يضعها في اختبار صعب أمام حلفائها الخليجيين، الذين ينظرون لأي اختراق إيراني في البحر الأحمر والسودان باعتباره مسألة أمن قومي.
كما أن استمرار الحرب دون حسم، واستنزاف الموارد، والانكماش الاقتصادي، يجعل أي فتور في العلاقة مع الرياض أكثر كلفة من أي وقت مضى.
فالسعودية ليست مجرد شريك سياسي، بل بوابة اقتصادية ومالية حيوية، سواء عبر الدعم المباشر أو عبر النفوذ في المؤسسات الإقليمية والدولية.

ماذا يريد البرهان من جدة؟
زيارة عبد الفتاح البرهان إلى جدة يمكن قراءتها في ثلاثة مستويات:
أولًا: محاولة ترميم الثقة مع الرياض، وتقديم تطمينات بشأن العلاقة مع إيران.
ثانيًا: السعي لإعادة فتح قنوات الدعم السياسي والاقتصادي، بعد تعثر ملفات عديدة.
ثالثًا: تجنب تحول السعودية من موقع الشريك الحذر إلى موقع الطرف الناقد أو الضاغط.
فالبرهان يدرك أن خسارة الغطاء الخليجي ستعني تضييق هامش المناورة الإقليمي، خاصة مع تراجع الاهتمام الدولي بالسودان لصالح أزمات أخرى.
ومن هنا، فإن جدة ليست مجرد مدينة استقبلت زائرًا، بل ساحة اختبار لمستقبل العلاقة.
الحرب تستنزف… والإقليم يعيد التموضع
في خلفية المشهد، تتحرك المنطقة كلها وفق توازنات جديدة: حرب غزة، التوتر مع إيران، أمن البحر الأحمر، إعادة تشكيل التحالفات، وصعود أولويات الاقتصاد على حساب المغامرات العسكرية.
ضمن هذا السياق، لم يعد الملف السوداني منفصلًا عن بقية الخرائط. وأي سلطة سودانية تسعى للدعم الإقليمي بات مطلوبًا منها أن تقدم رؤية سياسية مستقرة، لا مجرد طلبات سلاح وتمويل.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: الحرب في السودان مستمرة، لكن الإقليم بدأ يفقد صبره.
هل دخلت بورتسودان مرحلة العزلة الناعمة؟
لا توجد قطيعة معلنة بين الرياض وسلطة بورتسودان، لكن المؤشرات توحي بمرحلة يمكن وصفها بـ”العزلة الناعمة”: تراجع الحماس، تجميد الملفات، مراقبة مشددة، واشتراطات أعلى لأي دعم مستقبلي.
وهذا النوع من العزلة أخطر من الخلافات الصاخبة، لأنه يجري بصمت، ويترك الطرف المعني يكتشف تدريجيًا أنه فقد امتيازاته السابقة.
فإذا أضيف إلى ذلك تعقيد العلاقات مع أطراف دولية أخرى، فإن بورتسودان قد تجد نفسها أمام ضيق سياسي غير مسبوق.
السؤال الأكبر: هل تغيّر الرياض موقفها من الحرب؟
المسألة الأعمق لا تتعلق بصفقة سلاح أو زيارة طارئة، بل بما إذا كانت السعودية بدأت فعليًا الانتقال من سياسة إدارة الأزمة السودانية إلى سياسة إعادة تعريف أطرافها.
فإذا رأت الرياض أن استمرار الحرب بلا أفق يهدد مصالحها الإقليمية، فقد تتحول من داعم تقليدي لبعض مراكز القوة إلى راعٍ أكثر صرامة لتسوية سياسية شاملة.
وحينها، سيكون على جميع الأطراف السودانية إعادة حساباتها.

جدة قالت ما لم يُعلن
قد لا تصدر بيانات تفصيلية عن زيارة البرهان، وقد تُلتقط صور المجاملات المعتادة، لكن السياسة تُقرأ أحيانًا من الصمت أكثر مما تُقرأ من التصريحات.
ما حدث في الأسابيع الأخيرة إلغاء صفقة باكستان، قضية شاميم مافي، وتصاعد الشكوك الخليجية يشير إلى أن المشهد تغير.
وجدة، هذه المرة، لم تكن محطة بروتوكولية، بل مرآة كشفت حجم القلق الذي يطارد بورتسودان، وحجم الأسئلة المفتوحة حول مستقبل الحرب، والتحالفات، ومكان السودان في خارطة الإقليم الجديدة.




