تقارير وتحقيقات

المجتمع الدولي وأزمة السودان: لماذا يخطئ العالم في تشخيص أصل المأساة؟

التنوير : تقرير قسم الاخبار

 

التنوير : تقرير قسم الاخبار

تُظهر التصريحات الأخيرة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، كما يعكسها أيضاً البيان المشترك الصادر عن وزراء خارجية دول مجموعة السبع، أن المجتمع الدولي لا يزال يتعامل مع الأزمة السودانية من زاوية تبدو قاصرة عن استيعاب جوهر المعضلة التاريخية التي قادت البلاد إلى الحرب والانهيار المتكرر. فبينما تركز هذه المقاربات على وقف إطلاق النار، والانتقال إلى الحكم المدني، واستئناف العملية السياسية، فإنها تتجاهل السؤال الأكثر أهمية: لماذا فشلت الدولة السودانية نفسها في إنتاج الاستقرار طوال سبعة عقود؟

إن قراءة متأنية لتصريحات هافيستو وبيان الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان تكشف أن الرؤية الدولية السائدة لا تزال تنظر إلى السودان بوصفه أزمة سلطة تحتاج إلى إعادة توزيع الحكم بين العسكريين والمدنيين، بينما تكمن الأزمة الحقيقية في مكان أعمق بكثير؛ إنها أزمة دولة، لا أزمة سلطة.

هافيستو ومجموعة السبع.. المقاربة ذاتها

أكد هافيستو أن الهدف النهائي للعملية السياسية يتمثل في الانتقال إلى نظام حكم مدني وإنهاء حقبة الأنظمة العسكرية، بينما دعت مجموعة السبع إلى هدنة إنسانية، ووقف دائم لإطلاق النار، وعملية سياسية بقيادة مدنية.

في ظاهر الأمر تبدو هذه المطالب منطقية ومتسقة مع المبادئ الديمقراطية المعروفة، غير أنها تنطلق من افتراض أساسي مفاده أن المشكلة السودانية بدأت مع الحكم العسكري وأن نهايتها ستكون بمجرد الانتقال إلى حكم مدني. وهذه الفرضية هي ذاتها التي حكمت معظم المبادرات الدولية المتعلقة بالسودان خلال العقود الماضية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان الانتقال المدني وحده هو الحل، فلماذا عادت الحروب والانقلابات والصراعات بعد كل تجربة انتقالية شهدتها البلاد منذ الاستقلال؟

الحرب عرض للمرض وليست المرض نفسه

من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها المقاربات الدولية اختزال الأزمة السودانية في الحرب الحالية.

الحرب ليست أصل المشكلة، بل أحد أعراضها المتكررة.

لقد شهد السودان حروباً أهلية متعددة وانقلابات متعاقبة وأزمات سياسية متكررة في ظل حكومات عسكرية ومدنية على السواء. وهذا يعني أن المشكلة لا ترتبط بطبيعة الجهة التي تدير الدولة بقدر ما ترتبط بطبيعة الدولة نفسها.

فلو كانت الأزمة مجرد أزمة حكم عسكري، لكان من المفترض أن تنتهي جذور الصراع مع كل انتقال مدني. ولو كانت مجرد أزمة انتخابات أو ترتيبات دستورية، لما استمرت دوامة العنف رغم تعدد الاتفاقيات والتسويات السياسية.

دولة ما بعد الاستعمار وإنتاج السردية الزائفة

إن جانباً مهماً من سوء الفهم الدولي للأزمة السودانية يعود إلى اعتماد المجتمع الدولي على السرديات التي أنتجتها دولة ما بعد الاستعمار.

هذه السرديات قدمت السودان باعتباره دولة مكتملة الأركان تعاني فقط من خلل في الإدارة أو تنازع على السلطة، بينما جرى تجاهل حقيقة أن الدولة نفسها لم تُبنَ على أساس عقد اجتماعي جامع يعبر عن جميع شعوب السودان.

لقد ورثت النخب السياسية والعسكرية السودانية مؤسسات الدولة الاستعمارية، وأبقت على بنيتها الأساسية دون مراجعة جوهرية. تغيرت الحكومات والشعارات والأيديولوجيات، لكن ظلت الدولة تُدار بالعقلية ذاتها التي تركز السلطة والثروة والقرار في مركز محدود النفوذ.

ومن هذه السردية الموروثة استقت كثير من المؤسسات الدولية فهمها للأزمة السودانية.

أزمة دولة لا أزمة سلطة

جوهر المعضلة السودانية يتمثل في أن الدولة لم تنجح تاريخياً في تمثيل جميع مكوناتها.

فالمركز ظل محتكراً للقرار السياسي والاقتصادي والثقافي، بينما بقيت أقاليم واسعة خارج دائرة التأثير الحقيقي في صناعة الدولة.

ولهذا فإن الصراع في السودان لم يكن مجرد تنافس على السلطة، بل صراعاً حول طبيعة الدولة نفسها، وحول من يملك حق تعريف الهوية الوطنية وتوزيع الموارد وصياغة العقد الاجتماعي.

إن الحديث عن أزمة سلطة يفترض وجود دولة متفق عليها يتنافس الفاعلون على إدارتها، بينما الواقع السوداني يشير إلى نزاع أعمق يتعلق بأسس الدولة نفسها.

فشل النخب في بناء مشروع وطني جامع

منذ الاستقلال تعاقبت على السودان نخب سياسية وعسكرية ومدنية متعددة.

غير أن القاسم المشترك بينها جميعاً كان العجز عن بناء مشروع وطني شامل يستوعب التنوع السوداني الواسع.

فبدلاً من إعادة تأسيس الدولة على قاعدة المشاركة المتساوية، جرى الحفاظ على منظومة مركزية كرست التفاوتات التاريخية وأعادت إنتاجها جيلاً بعد جيل.

ولهذا فشلت الحكومات العسكرية كما فشلت الحكومات المدنية، لأن كليهما تحرك داخل البنية نفسها ولم يعمل على تغيير قواعدها المؤسسة.

لماذا تتكرر الحروب والانقلابات؟

لا يمكن فهم تكرار الحروب والانقلابات في السودان باعتبارها أحداثاً منفصلة.

فهي تعبيرات مختلفة عن أزمة واحدة مستمرة.

حين تعجز الدولة عن تمثيل جميع مواطنيها، وحين يشعر قطاع واسع من السكان بأنهم خارج معادلة السلطة والثروة والاعتراف، يصبح الصراع أمراً متوقعاً لا استثناءً.

ولهذا فإن الحرب الحالية ليست حدثاً طارئاً، وإنما نتيجة طبيعية لتراكمات تاريخية لم تُعالج جذورها منذ الاستقلال.

قصور الرؤية الدولية الحالية

إن الدعوات الدولية إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى العملية السياسية تظل مهمة من الناحية الإنسانية، لكنها غير كافية من الناحية الاستراتيجية.

فالمجتمع الدولي يتعامل غالباً مع السودان باعتباره ملف نزاع مسلح يحتاج إلى وساطة سياسية، بينما يتجاهل أن النزاع نفسه نتاج أزمة أعمق تتعلق بشرعية الدولة وبنيتها ووظيفتها.

إن إنهاء الحرب دون معالجة هذه الأسئلة المؤسسة لن يؤدي إلا إلى إنتاج دورة جديدة من الصراع في المستقبل.

ولهذا تبدو كثير من المبادرات الدولية وكأنها تسعى إلى إدارة الأزمة أكثر من سعيها إلى حلها جذرياً.

الدولة الجديدة شرط السلام المستدام

إن السلام الحقيقي لا يبدأ من وقف إطلاق النار فقط، بل من إعادة تعريف الدولة السودانية نفسها.

المطلوب ليس ترميم البنية القديمة التي أنتجت الأزمات، وإنما بناء دولة جديدة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة السياسية والاقتصادية والاعتراف المتبادل بين جميع الشعوب السودانية.

دولة يكون فيها المركز تعبيراً عن الجميع لا أداة للهيمنة على الجميع.

ودولة تُبنى على الإرادة الحرة للمواطنين لا على الامتيازات التاريخية المتوارثة.

ما بعد الحرب: السؤال المؤجل

ينشغل كثير من الوسطاء الدوليين بالسؤال المتعلق بكيفية إنهاء الحرب، لكن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بما سيأتي بعدها.

أي دولة ستقوم بعد الحرب؟

هل ستعود الدولة القديمة نفسها بأزماتها البنيوية وصراعاتها التاريخية؟ أم ستنشأ دولة جديدة تعالج أسباب الانهيار من جذورها؟

هذا السؤال يظل غائباً إلى حد كبير عن الخطاب الدولي الحالي، رغم أنه يمثل مفتاح الحل الحقيقي للأزمة السودانية.

السودان يحتاج إلى تأسيس لا انتقال فقط

إن السودان لا يحتاج فقط إلى انتقال سياسي من الحكم العسكري إلى الحكم المدني، بل يحتاج قبل ذلك إلى عملية تأسيس تاريخية تعيد بناء الدولة من أساسها.

فالديمقراطية، مهما كانت ضرورية، لا تستطيع وحدها حل أزمة دولة لم تُحسم طبيعتها بعد. والانتخابات، مهما كانت نزيهة، لا يمكن أن تعالج اختلالات بنيوية تراكمت عبر عقود طويلة.

لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام السودانيين، وأمام المجتمع الدولي كذلك، ليس مجرد إنهاء الحرب أو ترتيب الانتقال السياسي، وإنما الاتفاق على مشروع وطني جديد يؤسس لدولة تعبر عن جميع السودانيين دون استثناء.

عندها فقط يمكن أن يصبح السلام دائماً، وتصبح الديمقراطية أداة لبناء الدولة لا مجرد وسيلة لتبادل السلطة داخل البنية القديمة. أما استمرار التعامل مع السودان باعتباره مجرد أزمة انتقال ديمقراطي، كما توحي بذلك تصريحات هافيستو وبيان مجموعة السبع، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة ذاتها بأسماء جديدة ووساطات جديدة واتفاقات جديدة، بينما يبقى السؤال المؤسس معلقاً: كيف نبني دولة سودانية تعبر حقاً عن شعوب السودان كافة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!