رأي

من مسقط إلى المجهول: قراءة في صمت سلطة الانقلاب

السفير: عادل إبراهيم مصطفي

 

السفير: عادل إبراهيم مصطفي

لم يعد غيابُ رئيسِ سلطةِ بورتسودان الانقلابية، الجنرال عبد الفتاح البرهان، عن المشهد مجرّدَ حدث عابر أو تفصيل بروتوكولي يمكن تجاوزه. ففي بلدٍ يتآكله الصراع، ويعيش على وقع حرب مفتوحة وانهيار مؤسسي، يصبح اختفاءُ رأس السلطة بزعمه دون تفسير، قرينة سياسية بحدّ ذاتها، لا مجرّد واقعة تحتاج إلى تفسير.

منذ مغادرته العاصمةَ العُمانية مسقط، يُخيِّم صمت رسمي كامل على تحرّكات البرهان. لا بيانات، ولا توضيحات، ولا حتى الحدّ الأدنى من التواصل الذي تفرضه مسؤولية الحكم في أوقات الأزمات. هذا الصمت لم يترك فراغا فحسب، بل فتح المجال لإنفجار التكهنات التي تراوحت بين حديث عن تحرّكات إقليمية غير معلنة، وروايات أكثر حساسية تتحدّث عن لقاءات محتملة مع قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، في إطار ترتيبات دولية وكلها بلا تأكيد.

وفي مقابل هذه الروايات، ذهب بعض المتابعين إلى تأويلٍ آخر لا يقل دلالة: احتمال توجه البرهان إلى أنقرة، حيث تقيم أسرته، في قصره الفاخر هناك. ورغم غياب أي دليل رسمي على هذا الطرح، فإن مجرد تداوله على هذا النحو يعكس حجم الفجوة بين السلطة الانقلابية والرأي العام، ويطرح تساؤلا مشروعا: كيف يمكن لقائد دولة، بزعمه، غارقة في الحرب أن يختفي دون تفسير، بينما تتداول الأوساط أخبارا عن إقامته خارج البلاد؟!

المشكلة هنا لا تكمن في صحّة هذه الروايات من عدمها، بل في البيئة السياسية التي تجعلها ممكنة ومقنعة. فالدولة التي لا تخاطب شعبها تتركه فريسة للتخمين، وتفقد تدريجيا احتكارها للمعلومة، وهو أحد أهم مقومات السيادة الحديثة.

ويأتي هذا الغموض في لحظة شديدة الحساسية، تتزامن مع تحركاتٍ ميدانية غير تقليدية، وإعادة تشكيل للتحالفات داخل المشهد العسكري، ما يمنح غياب القيادة بعدا إضافيا يتجاوز الغموض إلى مستوى الشك في طبيعة ما يجري خلف الكواليس.

ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن المسار الذي بدأ مع انقلاب 21 أكتوبر 2021 في السودان، حين جرى تقويض المسار الانتقالي وإعادة إنتاج السلطة خارج أيّ شرعيةٍ مدنية. منذ ذلك الحين، لم يعد الغموض استثناء، بل أصبح أسلوب حكم تدار به الدولة عبر الصمت والقرارات المفاجئة، لا عبر الشفافية والمساءلة.

إنّ أخطر ما يكشفه هذا «الاختفاء» ليس موقع البرهان الجغرافي، بل موقع الدولة السودانية نفسها: دولة بلا وضوح، بلا تواصل، وبلا مساءلة. وفي مثل هذه البيئات، لا تكون الشائعات عرضا جانبيا، بل نتيجة طبيعية لغياب الحقيقة.

وفي المحصّلة الاخيرة، يمكن القول بأن الأزمة ليست في غياب رئيس سلطة الانقلاب بقدر ما هي في حضور نمط حكم يقوم على التعتيم والإفلات من المساءلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!