رأي

سلطة الأمر الواقع الهشّة تتقن فنّ المراوغة

نجوي بابو

 

نجوى بابو

فشلُ مركزٍ يتخفّى في خطاب الكراهية وضرب المجتمعات السودانية.

لا يوجد في السودان مركزٌ قوي بالمعنى المتعارف عليه؛ بل ما يوجد هو سلطة هشّة تُتقن إدارة الصراع أكثر مما تُتقن بناء الدولة، وتستخدم خطاب التهميش لتغطية عجزها البنيوي.

لم يحكم “المركز” السودان بقدر ما أدار تناقضاته. فقد فشلت النخب السياسية والعسكرية في إنتاج مؤسسات مستقرة، وبدلاً من ذلك أنتجت صفقاتٍ مؤقتة تُدار بها الأزمات دون حلّها. لذلك لم تُحسم الحروب، بل أُعيد تدويرها بأشكال مختلفة، ولم تُبنَ الدولة، بل جرى التعايش مع غيابها كواقع دائم.

في هذا السياق، لا تظهر السلطة كقوة مركزية صلبة، بل كمنظومة هشّة تُدير التوازن عبر تفكيك الخصوم بدل مواجهتهم مباشرة. وهي لا تعتمد فقط على القمع، بل على استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على منع تشكّل أي كتلة سياسية موحّدة يمكن أن تنازعها الشرعية.

وهنا تتضح إحدى أخطر آليات الحكم: سلطةٌ هشّة تُجيّش الهامش ضد نفسه. فهي لا تتعامل مع الأقاليم الطرفية ككتلة واحدة، بل تعمل على اختراقها من الداخل، عبر تحويل المطالب المشتركة إلى تنافسات محلية، وتغذية الشكوك بين المكوّنات الاجتماعية، وإعادة توجيه الموارد والسلاح داخل بيئات تعاني أصلًا من الهشاشة. وبهذا ينشغل الهامش بصراعاته الداخلية بدل أن يتحول إلى قوة ضغط موحّدة على المركز.

في هذه المعادلة، لا تحتاج السلطة إلى حسم شامل، بل إلى إدارة دائمة للاختلافات، بحيث تبقى قابلة للاشتعال دون أن تصل إلى لحظة التغيير. فالصراع لا يُحل، بل يُبقى ضمن مستوى يمكن التحكم به.

والأخطر أن خطاب “الهامش” نفسه لم يعد بريئًا، إذ تحوّل في كثير من الأحيان إلى أداة سياسية بيد نخب جديدة تسعى إلى اقتسام السلطة لا إلى إعادة تعريفها. وبدل أن يُنتج هذا الحراك مشروعًا بديلًا، أعاد في حالات عديدة إنتاج المنطق نفسه الذي خرج لمواجهته.

في ظل هذا الواقع، يصبح السلاح جزءًا من السياسة، وتصبح السياسة امتدادًا للعنف. وتتداخل الموارد مع النفوذ العسكري، ليتشكّل ما يمكن تسميته باقتصاد الصراع، حيث لا يكون العنف نتيجةً للفشل فقط، بل أداةً لإعادة توزيع السلطة والثروة.

وفي المقابل، لا ينجو “المركز” نفسه من التآكل الداخلي العميق؛ إذ تعاني مؤسساته من التداخل، وتتنازع نُخبه فيما بينها، وتضعف قدرته على احتكار العنف أو تنظيم الاقتصاد أو فرض القانون. وما يبدو أحيانًا كسياسات متعمّدة لتفكيك الأطراف، قد يكون في كثير من الأحيان انعكاسًا لهذا التصدّع البنيوي.

الأزمة الحقيقية، إذن، ليست في توزيع السلطة فحسب، بل في طبيعة هذه السلطة ذاتها: سلطة لا تعيش إلا في حالة أزمة، وتعيد إنتاج شروط بقائها عبر إدارة الانقسام لا تجاوزه.

ويبقى السؤال مفتوحًا دون إجابات سهلة:

كيف يمكن بناء دولة في بيئة تُكافأ فيها الهشاشة السياسية، ويُدار فيها التعدد كأداة صراع لا كقاعدة استقرار؟

من دون مواجهة هذا السؤال، سيظل السودان يدور في الحلقة ذاتها: نُخب تتبدل، وشعارات تتغير، لكن بنية الأزمة تبقى كما هي، تُدار ولا تُحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!