رأي

أزمة التحوّل في دلالات المصطلح: دراسة في المعاني السياسية والاجتماعية في السودان

مليح يعقوب

 

​مليح يعقوب

متخصص في إدارة التنوع

​مقدمة

​إنّ المصطلحات الشعبية الشائعة في السودان —من قبيل: الجلابة، البقارة، الأبالة، المزارعين، الرعاة، الجنجويد، العرب، الزرقة، التورا بورا، وغيرها— قد تعرضت لعملية “تجوير” ممنهجة؛ حيث جُرِّدت من مضامينها التاريخية والاجتماعية، وفُرِّغت من حمولاتها الدلالية الأصلية من قِبل النخبة السياسية (سواء في السلطة أو المعارضة). وقد أدى هذا التلاعب الاصطلاحي إلى توسيع دوائر الصراع على المستويين الأفقي والرأسي.

​يسعى هذا البحث إلى تحديد المسؤولية التاريخية وترتيبها وفقاً للأولوية الزمانية والمكانية؛ حيث نرى أنّ المسؤولية الأولى تقع على عاتق “البنية المركزية”، ثم “المستعمر”، وصولاً إلى “النخبة المتواطئة” مع هذا النظام الهيكلي الذي لا يتواءم مع التعددية السودانية. إنّ تحليلنا لهذه المصطلحات يلمس وتراً حساساً في بنية الأزمة السودانية المعاصرة، حيث تحول المصطلح من أداة “للوصف الاجتماعي” إلى “سلاح رمزي” يُستخدم في ادارة الصراع. هذا الانتقال لم ينشأ بشكل عفوي وفطري و نعتبره عملية متعمدة لإعادة هندسة الهويات بما يخدم الاستقطاب السياسي والإثني والأيديولوجي الحاد.

​1. المصطلح كأداة “تنميط” بدلاً من “توصيف”

​تبدأ الأزمة عند انتزاع المصطلح من سياقه التاريخي والاجتماعي وحشره في قالب سياسي إثني صلب:

​المركز: هو نظام سياسي ذو جذور استعمارية يسعى لتفتيت الهويات، وإلغاء التنوع، وتذويب الثقافات السودانية في نمط أحادي، ممارساً “التنميط الحتمي” والاقتصاد الطفيلي الاستغلالي. أنّ النظام المركزي (المركز) هو المسؤول الأول عن إنتاج “الذهنية الإقصائية” التي نمت بذورها في حقب تاريخية قديمة تعود الى الحضارة الفرعونية النصرانية مرورا بالممالك والسلطنات وصولا الى حقبة الاستعمارين الانجليزي والتركي وصولا الى دولة 56 ، حيث وُرثت مفاهيم الامتياز والتبعية.

​تزييف الوعي: نجح المركز في إنشاء “وكلاء” له داخل الهامش، مما دفع المكونات المحلية إلى استبطان الدونية أو النظر إلى “الآخر” القريب بوصفه مركزاً مضاداً، مما أدى لتمزيق النسيج الاجتماعي داخل الإقليم الواحد. ويُعد سكان الشمال أول ضحايا هذا التغييب؛ إذ أوهمهم المركز بامتلاك الدولة حصرياً لضمان ولائهم واستمرارية سيطرته.

​الهامش: يتمدد الهامش ليشمل السودان بأكمله مع تفاوت نسب التهميش؛ مع ضرورة ملاحظة أن الهامش نفسه بات ينقسم داخلياً إلى مراكز وهوامش فرعية.

​نماذج للتحول الدلالي:

​الجلابة: تحول المصطلح من وصف لطبقة تجارية تاريخية مرتبطة بالنيل والشمال، إلى “وصمة” سياسية تُستخدم لوسم سكان المركز بالاستعلاء العرقي، مما أحدث شرخاً أفقياً بين المكونات الاجتماعية.

​الجنجويد: بدأ كمصطلح يصف مجموعات محدودة تقوم بتقليد ظاهرة النهب ، لكنه أُقحم عمداً ليوصم قبائل رعوية بأكملها، مما دفع هذه المكونات للاحتماء بـ”البندقية” دفاعاً عن وجودها الاجتماعي و السياسي.

​2. تغبيش الوعي (الهروب من الأزمة البنيوية)

​ساهم توظيف هذه المصطلحات في “تسطيح” الصراع وتغييب القضايا الجوهرية (توزيع الثروة، العدالة الانتقالية، شكل الحكم)، لينحرف الخطاب نحو:

​صراع رأسي (سلطة ضد هامش): جرى تصويره كنزاع عِرقي بدلاً من كونه صراعاً ضد منظومة حكم مركزية فاشلة.

​صراع أفقي (مجتمع ضد مجتمع): نجحت القوى المتصارعة في وضع المكونات الاجتماعية (زرقة/عرب، بقارة/مزارعين) في مواجهة مباشرة، مما أعفى النخب (في المركز والهامش معاً) من مسؤوليتها عن الفشل التنموي.

​3. تعقيد الأزمة وتوسيع الدوائر: “المظلومية المتبادلة”

​خلق التفسير المسيّس للمصطلحات حالة من “الخوف الوجودي”:

​يرى الهامش في مصطلح (الجلابة) تجسيداً لإرث الاضطهاد.

​يرى الموصومون في الهامش (مثل العرب) في الخطاب المضاد تهديداً بالتصفية العرقية.

هذا الخوف المتبادل هو الوقود الذي يغذي الحروب ويجعل الحلول السياسية “فوقية” وهشة، لأن القواعد الاجتماعية أصبحت مشحونة بكراهية مبنية على هذه التفسيرات المؤدلجة.

​الخلاصة

​إنّ إقحام هذه المصطلحات في صراع المركز والهامش أدى إلى ما يمكن تسميته بـ “رقمنة الكراهية”، مما جعل العودة للتعايش السلمي تتطلب “تفكيكاً لغوياً ومعرفياً” يسبق الحل السياسي. الأزمة الحقيقية تكمن في “الأدوات المعرفية” التي استخدمتها النخب لتفسير وجود الآخر، مما حول التنوع من ثراء ثقافي إلى عبء أمني.

​تجاوز هذه الأزمة يتطلب خطاباً وطنياً يتخطى “فخاخ المصطلحات”، ويعيد تعريف الصراع بوصفه نضالاً من أجل المواطنة المتساوية، لا صراعاً بين هويات متخيلة أو مصطلحات مشحونة بالدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!