رأي

مخاض الدولة السودانية بين حلم الثورة وعسر التأسيس

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

الثورات تفتح الأبواب، لكن الدول لا تُبنى بالمفاتيح وحدها

     ليس أصعب على الشعوب من إسقاط نظامٍ قديم، إلا الانتقال من لحظة الثورة إلى لحظة الدولة. فالثورة، مهما تعقّدت ظروفها، فعلٌ احتجاجيٌّ قادر على حشد الغضب والأمل في آنٍ واحد، أما الدولة فهي بناءٌ تراكميّ يحتاج إلى العقل البارد، والصبر المؤسسي، والانضباط المفاهيمي، والقدرة على إدارة التناقضات. ولهذا تعثرت تجارب كثيرة في العالم حين ظنّت أن سقوط القديم يعني ميلاد الجديد تلقائيًا، بينما الحقيقة أن المسافة بين الثورة والدولة هي أكثر مراحل التاريخ وعورةً وخطورة.

في السودان، تتجلى هذه الحقيقة اليوم بوضوح بالغ. فالحرب التي مزقت البلاد، على قسوتها، لم تترك فقط دمارًا إنسانيًا وماديًا، بل كشفت أيضًا هشاشة البنية السياسية القديمة، ودفعت نحو تشكّل اصطفافات جديدة تبحث عن معنى مختلف للدولة. ومن بين هذه التحولات برز تحالف السودان التأسيسي بوصفه محاولة لصياغة مشروع سياسي جديد، يقوم على العدالة، واللامركزية، والاعتراف بالتنوع، وإعادة توزيع السلطة والثروة على أسس أكثر توازنًا.

إن مجرد طرح هذا المشروع يمثل تطورًا مهمًا في الوعي السياسي السوداني، لأنه ينقل النقاش من سؤال “من يحكم؟” إلى سؤال “كيف تُحكم البلاد؟”. وهذا انتقال جوهري، إذ إن أزمة السودان التاريخية لم تكن في نقص الحكام، بل في عطب الفكرة المؤسسة للدولة نفسها. دولة احتكرت المركز، وضيّقت المجال العام، واعتبرت التنوع عبئًا لا مصدر قوة، فكانت النتيجة دورات متكررة من الحرب والانقسام والانهيار.

غير أن الاعتراف بأهمية المشروع لا يعني التغاضي عن التحديات الجسيمة التي تواجهه. فالتأسيس ليس إعلانًا سياسيًا، ولا ميثاقًا مكتوبًا، ولا حشدًا جماهيريًا فحسب، بل هو قدرة على تحويل الرؤية إلى مؤسسات، والشعارات إلى سياسات، والتحالفات إلى نظام حكم قابل للحياة. وهنا تبدأ الفوارق الكبرى بين التنظير والتطبيق.

أول هذه التحديات هو الانكفاء ومركزية التفكير. فكثير من القوى التي ترفع شعارات التغيير تقع سريعًا في أسر العقل القديم نفسه؛ عقل المركز الذي يحتكر تعريف الوطنية، ويعيد إنتاج الوصاية السياسية بلغة جديدة. قد تتغير الأسماء والرموز، لكن البنية الذهنية تبقى كما هي: نخبة تتحدث باسم الجميع، وتتصور أنها وحدها تعرف الطريق. ولا يمكن لدولة جديدة أن تُبنى بعقل قديم يرتدي ثوبًا حديثًا.

التحدي الثاني هو تعجل النتائج. فالشعوب المنهكة من الحرب تطلب الخلاص السريع، والقوى السياسية كثيرًا ما تستجيب لهذا المزاج بوعد المعجزات الفورية. لكن بناء الدولة لا يتم بالسرعة التي تُدار بها الحملات السياسية. إصلاح الاقتصاد، إعادة بناء المؤسسات، تحقيق العدالة الانتقالية، معالجة التشوهات الاجتماعية، وإعادة الثقة بين المكونات الوطنية؛ كلها عمليات تحتاج إلى زمن وإرادة وتدرج. ومن أخطر ما يهدد أي مشروع تأسيسي أن يعد الناس بما لا تستطيع الوقائع إنجازه.

أما التحدي الثالث فهو ضعف الخيال السياسي. فبعض النخب لا تزال سجينة نماذج قديمة: انقلاب أو انتخابات، مركز أو هامش، سلطة أو معارضة. بينما السودان يحتاج إلى خيال أوسع يبتكر صيغًا جديدة للحكم المحلي، والمشاركة المجتمعية، والإدارة الفدرالية، والاقتصاد المنتج، والعلاقة بين الهوية الوطنية والتعدد الثقافي. الدولة الحديثة لا تُستورد جاهزة، بل تُبتكر من واقع المجتمع وتاريخه واحتياجاته.

ثم يأتي تحدي الولاء على حساب الكفاءة، وهو الداء الذي أهلك تجارب كثيرة. حين تصبح معايير التعيين والإدارة قائمة على القرب السياسي أو العسكري أو الجهوي، تفقد الدولة روحها المهنية وتتحول إلى غنيمة. لا يكفي أن يكون المسؤول من صف الثورة أو من معسكر التأسيس؛ المطلوب أن يكون قادرًا، نزيهًا، ومؤهلًا. فالدول تُدار بالكفاءات، لا بالعواطف ولا برد الجميل.

ومن أخطر العوائق أيضًا سيادة العقل الذاتوي على حساب التفكير الموضوعي. أي أن تُقرأ الوقائع من خلال الرغبات لا من خلال الحقائق، وأن يُنظر إلى النقد بوصفه خصومة، وإلى المراجعة باعتبارها ضعفًا. المشروع الجاد هو الذي يمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء، ويستفيد من النقد، ويُخضع قراراته للمعايير لا للأمزجة. أما المشاريع التي تعيش على التصفيق، فإنها تنهار عند أول اختبار.

ويضاف إلى ذلك الانغلاق في الأفق وضعف الجهاز المفاهيمي. فكثير من الخطابات السياسية تستخدم كلمات كبرى مثل العدالة، العلمانية، الديمقراطية، الفدرالية، السلام، من غير تعريفات دقيقة ولا تصورات تنفيذية واضحة. والمفاهيم حين تكون ضبابية تتحول إلى ساحة صراع بدل أن تكون أدوات بناء. المطلوب ليس ترديد المصطلحات، بل ترجمتها إلى نصوص دستورية، وسياسات عامة، وآليات قابلة للتطبيق.

ومع ذلك، فإن الفرصة ما تزال قائمة. فالسودان، رغم جراحه، يملك طاقة اجتماعية هائلة، ووعيًا متقدمًا لدى أجيال جديدة، وتجارب مريرة يمكن أن تتحول إلى دروس مؤسسة للمستقبل. وإذا استطاعت القوى الجديدة، وفي مقدمتها تحالفات التأسيس، أن تنتقل من منطق التعبئة إلى منطق الدولة، ومن شرعية القوة إلى شرعية القانون، ومن الانتصار السياسي إلى الكفاءة المؤسسية، فإن البلاد قد تدخل فعلًا مرحلة جديدة.

إن المخاض السوداني اليوم ليس بين حرب وسلم فقط، بل بين فكرتين: فكرة دولة قديمة استنفدت أغراضها، وفكرة دولة جديدة لم تكتمل بعد. وما بين الفكرتين يقف التاريخ مترقبًا: هل تنتصر الشعارات، أم ينتصر البناء؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!